تقرير: شروق عز الدين
يُعد مجلس النواب البوابة التشريعية التي تُفتح أبوابها بأصوات الشعب إلى أصحاب المعالي “نواب الشعب”، من أجل أن يكون النائب صوتهم وقائدهم ولسان حالهم أمام الجهات المسؤولة، وفي الوقت الذي تنشغل فيه الساحة السياسية بملف القوائم المغلقة والتحالفات الكبرى التي ستخوض الأحزاب انتخابات مجلس النواب 2025 من خلالها، تدور في جانب آخر معركة من نوع مختلف، أكثر تعقيدًا وربما أكثر تأثيرًا، وهي معركة «التربيطات الفردية» التي تحولت إلى ما يشبه بـ«القائمة الموازية» للقائمة الرسمية، في محاولة من المرشحين والأحزاب لتعويض ما قد يفقدونه داخل القوائم المغلقة، ولمواجهة التقسيم الجديد للدوائر.
لم تكن هذه الظاهرة جديدة تمامًا على المشهد الانتخابي المصري، ولكنها كانت تحدث في السابق ولكنها هذا العام اتخذت طابعًا أكثر تنظيمًا وجرأة، وباتت تُدار بطريقة تشبه التحالفات الحزبية غير المعلنة، فبين القائمة الرسمية التي تتصدر المشهد الإعلامي، والقائمة الموازية التي تُدار في الخفاء، يبدو أن انتخابات مجلس النواب 2025 تسير نحو معركة مزدوجة، معركة علنية داخل القاعات والمؤتمرات، وأخرى سرّية تُحسم في البيوت والدوواوين والمجالس العائلية، وفي النهاية، سيبقى “الفردي” هو الحصان الأسود في سباق السياسة المصرية، وربما البوصلة الحقيقية لتوازن القوى داخل البرلمان القادم.
اجتماعات ومشاورات لتحديد نقاط الدعم
وفي نفس السياق، شهدت عدد من المحافظات مع اقتراب موعد فتح باب الترشح، اجتماعات غير معلنة ومشاورات مطوّلة بين المرشحين المحتملين، لتنسيق المواقف وتحديد نقاط الدعم والتبادل الانتخابي، واللافت في هذه الدورة أن التحالفات لم تعد تقتصر على أبناء الحزب الواحد، بل امتدت لتشمل تنسيقًا بين مرشحين من أحزاب مختلفة أو مستقلين، بعضهم كان خصومًا في انتخابات سابقة، ليتحوّل الخصام السياسي إلى مصلحة انتخابية مشتركة.
وكان النظام الانتخابي القائم على الجمع بين القوائم المغلقة والمقاعد الفردية هو العامل الأول والأكبر في تحقيق هذه التحالفات، خاصة مع تركيز القيادة الحزبية في القاهرة على فكرة القائمة، وخلق مساحة فراغ في الدوائر الفردية كانت هي الدافع وراء تحرك المرشحين بمعزل عن قرارات الاحزاب، والسعي وراء الطريقة التي تناسب كل دائرة انتخابية.
كما أن هناك بعض الأحزاب تتعامل مع التربيطات بصمت، فهي لا توافق رسميًا، لكنها لا تمنعها أيضًا، لأن النتائج في النهاية تصب في مصلحتها عندما ينجح المرشح ويكون لها تمثيل كبير بالبرلمان.
تربيطات عائلية وقبلية
في محافظات مثل المنيا، سوهاج، قنا، أسيوط، والبحيرة، تلعب العائلات والقبائل الدور الأهم في رسم خريطة الدعم، حيث تربيطات فردية كثيرة تُبنى على مبدأ “أنت في دايرتك وأنا في دايرتي”، حيث يتفق المرشحون على تبادل الأصوات بين الدوائر المتجاورة، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها الانتماءات العائلية.
وتعتمد التحالفات هناك على طبيعة المواطنين حيث أن المواطنين في قرى الصعيد تتعامل على أرض الواقع وليس الورق، ومن يساعد على النجاح العائلة وليس الحزب ومن يستطيع تكوين تنسيقات قوية يفوز مهما كان حزبه.
قائمة ظلّ.. وحسابات معقدة
بمرور الأسابيع، تحوّلت هذه التربيطات إلى ما يشبه “قائمة ظلّ”، تضم شبكات دعم متبادلة بين المرشحين، تتبادل المعلومات والمصادر والكوادر الميدانية، ولذلك “القائمة الموازية” أصبحت أمرًا واقعًا، بل تتعامل معها بعض القيادات الحزبية باعتبارها أداة ضغط إضافية لضمان التمثيل داخل البرلمان المقبل، خصوصًا مع احتدام المنافسة على المقاعد المحدودة في القوائم.
من الناحية القانونية، لا توجد مخالفة مباشرة في هذه التربيطات طالما أنها لا تنطوي على مخالفة للدعاية أو شراء أصوات، لكنها تثير تساؤلات حول مستقبل الحياة الحزبية في مصر.
ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لترسيخ العمل الحزبي، تُظهر هذه الظاهرة أن الولاء الاجتماعي أو الانتخابي قد يتغلب على الانتماء السياسي، ومن خلال هذه التنسيقات بعض الأحزاب ستتفاجأ أن مرشحيها على الورق لا يعملون فعليًا لصالح الحزب، بل ضمن تربيطة ميدانية أكبر، وفي النهاية النتيجة تُحسم في الصندوق.
تأثير التربيطات على الخريطة السياسية
من المتوقع أن تلعب التربيطات الفردية دورًا حاسمًا في نحو 40% من مقاعد الفردي، بحسب تقديرات غير رسمية، وإذا ما نجحت هذه التحالفات في إيصال عدد كبير من المرشحين إلى البرلمان، فقد تشهد الدورة المقبلة مجلسًا أكثر تنوعًا من حيث الانتماءات، لكن أقل انضباطًا حزبيًا، خاصة وأن هذا المشهد سيؤدي إلى برلمان “مفتوح التوجهات”، حيث تتقاطع المصالح أكثر مما تتلاقى البرامج، وهو ما يجعل إدارة الكتل النيابية داخل المجلس القادم مهمة شديدة التعقيد.
استقالات وتغييرات في الصفوف الحزبية
تزامنًا مع هذا الحراك، واستكمالا للهدف ذاته وهو تحقيق النجاح في الدائرة، تقدّم عدد من النواب باستقالاتهم من عدد من الأحزاب استعدادًا لخوض الانتخابات المقبلة كمستقلين أو من خلال أحزاب أخرى، وهو ما أعاد الحديث حول مرونة الانتماء الحزبي في ظل الحسابات الانتخابية، مما يؤكد أن هذه الاستقالات لا تعكس خلافات سياسية بقدر ما تعبّر عن رغبة بعض النواب في خوض التجربة بترتيبات أوسع وتحالفات أكثر مرونة على الأرض.
اقرأ أيضًا: ما بين الوجوه المعتادة والاستقطاب من الخارج.. بولاق الدكرور بين فكيّ الرحى في انتخابات النواب





















