لا يمكن اعتبار انتحال الصفة مجرد واقعة جنائية تنتهي بإلقاء القبض على مرتكبها، ثم تُطوى صفحتها في سجلات المحاكم. إنها في حقيقتها مرآة تعكس خللًا في منظومة القيم، ورسالة تقول إن بعض الأفراد ما زالوا يعتقدون أن الهيبة تُسرق، وأن المكانة تُنتحل، وأن احترام الناس يمكن الحصول عليه ببطاقة مزيفة أو لقب مستعار.
الوقائع التي شهدتها مصر خلال الأيام الماضية، من انتحال أحد الأشخاص صفة قاضٍ، وانتحال فتاة صفة صحفية، ليست سوى وجهين لعملة واحدة. فالمشكلة ليست في المهنة التي جرى انتحالها، وإنما في العقلية التي تتصور أن الوصول إلى التقدير يمر عبر الكذب، وأن اختصار الطريق إلى المكانة يكون بادعاء ما لم يتحقق بالعلم أو الجهد أو الخبرة.
الحقيقة التي يجب أن نستوعبها هي أن الشعوب المتقدمة لا تُقاس بعدد الألقاب، وإنما بمدى احترامها للاستحقاق. فلا أحد يصبح قاضيًا إلا بعد سنوات من الدراسة والتأهيل، ولا يحمل صفة الصحفي إلا من يمارس مهنة لها قواعدها وأخلاقياتها ومسؤولياتها. هذه الصفات ليست زينة اجتماعية، بل تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ومسؤولية قبل أن تكون امتيازًا.
الأخطر من انتحال الصفة هو المجتمع الذي يفتن بالمظهر أكثر من الجوهر. حين يصبح اللقب أهم من الكفاءة، والصورة أهم من الحقيقة، يجد ضعاف النفوس فرصة سانحة لخداع الآخرين. فالمحتال لا ينجح بذكائه وحده، بل ينجح أيضًا عندما يجد من يصدق المظهر دون أن يسأل عن الحقيقة.
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة تمنح الشهرة السريعة لمن يجيد التمثيل أكثر ممن يجيد العمل. وأصبح البعض يلهث وراء الأضواء بأي وسيلة، حتى لو كانت على حساب القانون أو ثقة المجتمع. لكن التجارب تثبت أن الشهرة المصنوعة بالخداع لا تدوم، وأن الأقنعة مهما طالت بها الأيام لا بد أن تسقط.
إن حماية هيبة الدولة لا تتحقق فقط عبر تطبيق القانون على من ينتحل صفة عامة، وإنما أيضًا عبر ترسيخ ثقافة مجتمعية تحترم كل مهنة، وتدرك أن لكل لقب ثمنًا من الجهد والعلم والانضباط. فحين يوقن الشباب أن المجتمع لا يصفق إلا للمستحق، وأن النجاح لا يُشترى ولا يُسرق، ستتراجع مثل هذه الظواهر تلقائيًا.
إن الأمم التي حققت نهضتها لم تفعل ذلك لأنها امتلأت بالألقاب، بل لأنها امتلأت بأصحاب الكفاءة. ولم تصل إلى القمة لأنها أتقنت الادعاء، بل لأنها احترمت التخصص، وصانت مؤسساتها، وجعلت الاستحقاق هو الطريق الوحيد إلى المكانة.
ولهذا، فإن الرسالة التي يجب أن نتمسك بها اليوم واضحة وحاسمة: لا مستقبل لمجتمع يساوي بين صاحب الإنجاز وصاحب الادعاء، ولا هيبة لدولة تُترك فيها الصفات العامة نهبًا للمنتحلين. فالشعوب المتحققة لا تبحث عن ألقاب مستعارة، لأنها تدرك أن الاسم الحقيقي لا يصنعه ما يُكتب على بطاقة، وإنما ما يتركه الإنسان من أثر في وطنه. فالصفة قد تُنتحل لساعات، أما القيمة فلا تُنتحل أبدًا.


















