في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحةً لإطلاق الأحكام قبل اكتمال الحقائق، وتحوّل السباق إلى نشر الرواية قبل التحقق منها، جاءت كلمات وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، لتعيد النقاش إلى قاعدته الصحيحة: لا دولة تُدار بالشائعات، ولا أزمات تُواجه بالتكهنات.
حادث ميناء دمياط كان كافيًا لإطلاق سيل من الروايات المتضاربة، واتهامات بلا أدلة، وتحليلات تجاوزت حدود المنطق، وكأن البعض لا ينتظر نتائج التحقيق بقدر ما يبحث عن رواية جاهزة تُرضي قناعاته المسبقة. وهنا كان الموقف الرسمي واضحًا: الحكومة لن تتحدث إلا بما تملكه من معلومات مؤكدة، ولن تستبق تحقيقات لا تزال جارية، لأن احترام الحقيقة يبدأ باحترام إجراءات الوصول إليها.
لم يكن هدف الحكومة أن تجيب عن كل سؤال مطروح، وإنما أن تجيب عن الأسئلة التي تهم المواطن أولًا: هل تمت السيطرة على الأزمة؟ هل تأثرت منظومة الطاقة أو الكهرباء أو الغاز؟ هل تعطلت حركة الملاحة؟ هذه هي القضايا التي تمس الأمن القومي والمصلحة العامة، وقد جاءت الإجابات بشأنها واضحة ومباشرة، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بأسباب الحادث والمسؤوليات القانونية في عهدة الجهات المختصة، وهو ما تفرضه قواعد الدولة والقانون، لا منطق الإثارة الإعلامية.
واللافت أن بعض الأصوات سارعت إلى الحديث عن تناقضات بين البيانات الرسمية، بينما تكشف القراءة الموضوعية أن بيان وزارة البترول منذ اللحظة الأولى عرض الوقائع الأساسية كما هي: وجود سفينتي تخزين وإعادة تغويز، ووقوع الحريق، وبدء إجراءات الإطفاء والسلامة، وعدم وقوع إصابات بشرية.
ثم جاءت تصريحات رئيس مجلس الوزراء لتستكمل ما استجد من معلومات مع تطور الأحداث، وهو أمر طبيعي في أي أزمة تتكشف تفاصيلها تباعًا، أما تحويل تطور المعلومات إلى ادعاء بوجود تناقض، فليس سوى محاولة لخلق أزمة موازية للأزمة الحقيقية.
إن الدولة التي تحترم نفسها لا تصدر أحكامًا تحت ضغط الرأي العام، ولا تُكيّف تصريحاتها وفق ما يطلبه “الترند”. فالحقيقة لا تُصنع على منصات التواصل، بل داخل لجان التحقيق، وبين التقارير الفنية، وعلى أيدي الجهات المختصة، ومن يطالب بإعلان نتائج قبل انتهاء التحقيقات، يطالب عمليًا بإهدار أبسط قواعد العدالة والموضوعية.
ومن هنا تكتسب رسالة ضياء رشوان أهميتها؛ فهي ليست مجرد دفاع عن أداء الحكومة، بل دفاع عن مبدأ يجب أن يبقى حاضرًا في كل أزمة: أن المعلومة الرسمية مسؤولية، وليست سباقًا، وأن الشفافية لا تعني نشر كل ما يُتداول، وإنما إعلان ما ثبتت صحته، في التوقيت الذي لا يضر بالتحقيق ولا بالمصلحة الوطنية.
أما الرسالة الأخيرة، فهي الأهم. مصر ليست دولة تُدار بردود الأفعال، ولا تدخل في مهاترات إعلامية، لكنها أيضًا ليست دولة تتجاوز عن حقوقها أو تتهاون في حماية سيادتها، وإذا كان الحادث قد فتح ملفات تستوجب التحقيق، فإن هذه الملفات لن تُغلق إلا بعد كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته وفق القانون.
قد لا يرضي هذا النهج الباحثين عن الإثارة أو الإجابات السريعة، لكنه النهج الذي يحمي الدولة ويحترم عقول المواطنين، وفي الأزمات الكبرى، لا يكون الصمت المؤقت ضعفًا، ولا يكون التريث ترددًا، بل يكون في كثير من الأحيان التعبير الأكثر مسؤولية عن احترام الحقيقة.
وهكذا.. تكلم ضياء رشوان، فكان حديثه دعوة إلى الاحتكام للعقل قبل الانفعال، وللحقائق قبل الشائعات، وللدولة قبل الضجيج.





















