في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُستهلك أسرع مما تُفهم، جاءت مكالمات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مع أوائل الثانوية الأزهرية لهذا العام، لتقول إن الرسائل الكبرى لا تحتاج إلى خطب طويلة، بل إلى مواقف صادقة.
لم يكن يتحدث عن النجاح بوصفه رقمًا في كشف الدرجات، ولا عن التفوق باعتباره نهاية الطريق. كان يتحدث عن الإنسان.
حين طلب الطالب الكفيف حازم مصطفى محمد ياسين أن يسبق صوت والدته صوته، لم يتوقف الإمام الأكبر عند بروتوكول التهنئة، بل منح الأم مكانتها المستحقة، في تلك اللحظة، لم يعد المركز الأول هو الخبر، وإنما الاعتراف بالجميل، وكأن الرسالة تقول إن المجتمع الذي يعرف أبناءه فضل أمهاتهم، هو مجتمع يعرف كيف يصنع المستقبل.
وحين سارعت الطالبة سما المسلماني إلى السؤال عن نتيجة شقيقتها التوأم قبل أن تحتفل بنفسها، لم يكن السؤال عابرًا، بل كان إعلانًا بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إذا بقي فرديًا. فجاءت استجابة شيخ الأزهر امتدادًا لهذا المعنى، لا مجرد إجابة عن استفسار.
وفي حديثه مع بقية الأوائل، لم تكن عباراته لغة مسؤول يهنئ متفوقين، بل لغة أب يخاطب أبناءه: «أنتم أهلنا، وولادنا وبناتنا، وموضع اعتزازنا وفخرنا»، عبارة تبدو بسيطة، لكنها تختزل فلسفة تربوية كاملة، فلسفة تجعل المؤسسة التعليمية بيتًا، قبل أن تكون مبنى، ورسالة، قبل أن تكون شهادة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الثانوية الأزهرية، فالمشهد يطرح سؤالًا أكبر: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده مصنعًا لإنتاج أصحاب الدرجات المرتفعة، أم مصنعًا لإنتاج الإنسان؟
لا قيمة لطبيب لا يعرف الرحمة، ولا لمهندس يفتقد الأمانة، ولا لعالم يحمل المعرفة ويخلو من التواضع، ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه المؤسسات التعليمية ليس الأوائل، وإنما الإنسان الذي يجمع بين العقل والضمير.
ربما لهذا السبب لامست هذه المشاهد قلوب الناس، لأنها أعادت التوازن إلى معادلة اختلت طويلًا، معادلة جعلت الأرقام تتصدر المشهد، بينما تراجعت القيم إلى الهامش، فجاءت هذه اللحظات لتقول إن الأخلاق ليست هامشًا في العملية التعليمية، بل هي متنها الحقيقي.
هكذا تكلم شيخ الأزهر أحمد الطيب. ولم يكن ما قاله مجرد كلمات تهنئة، بل رؤية كاملة لمعنى التفوق، رؤية ترى أن العلم إذا انفصل عن الأخلاق فقد جزءًا من رسالته، وأن النجاح إذا لم يبدأ بالوفاء، ولم يمر بالتواضع، ولم ينته بخدمة الناس، فإنه يبقى نجاحًا ناقصًا، مهما كان بريقه.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي خرج من مكالمات لم تستغرق سوى دقائق، لكنها قالت عن التعليم والتربية وبناء الإنسان أكثر مما تقوله عشرات الندوات والكتب، فالكلمات قد تُنسى، أما المواقف التي تمنح الأخلاق صوتًا، فتبقى أطول عمرًا من أصحابها.


















