لم تعد أزمة الرسوم القضائية مجرد خلاف عابر بين نقابة المحامين والجهات القضائية، بل تحولت، بعد أكثر من عام على اندلاعها، إلى نموذج لأزمة ممتدة بلا أفق واضح، وتصعيد فقد تأثيره تدريجيًا، وإضرابات لم تُحدث تغييرًا حقيقيًا في الواقع، ما يفرض تساؤلًا مباشرًا حول حصيلة هذا المسار، ومن يتحمل مسؤولية تعثره.
بدأت الأزمة مع فرض رسوم متزايدة داخل المحاكم تحت مسميات مختلفة، دون سند تشريعي صريح صادر عن البرلمان، وهو ما فتح بابًا واسعًا للجدل الدستوري حول مشروعية هذه الرسوم، ومدى توافقها مع الحق الأصيل في التقاضي.
ومع مرور الوقت، لم تتراجع هذه الرسوم، بل تمددت وتكرّست، وأصبحت عبئًا يوميًا مفروضًا على المتقاضين والمحامين، مع اختلاف قيمها من محكمة إلى أخرى، في مشهد يعكس غيابًا واضحًا للضبط والتوحيد.
تحركات نقابة المحامين
في مواجهة هذا الواقع، أعلنت نقابة المحامين رفضها للرسوم ووصفتها بغير الدستورية، ودخلت في مسار تصعيدي شمل بيانات رسمية واجتماعات موسعة، والدعوة إلى مقاطعة الجلسات، وتنفيذ إضرابات جزئية ومتقطعة، غير أن هذا التصعيد، رغم حدته الإعلامية، لم ينجح في تحقيق اختراق فعلي، إذ استمر العمل بالرسوم داخل المحاكم، وعادت الأمور تدريجيًا إلى ما كانت عليه، تحت ضغط الواقع المهني والمعيشي، دون أن يتغير جوهر الأزمة.
وبمرور الوقت، بدأت تتصاعد داخل أوساط المحامين آراء ناقدة لطريقة تعامل النقابة مع الملف، حيث يرى عدد من المحامين أن نقابة المحامين أقحمت نفسها في إدارة أزمة الرسوم القضائية دون امتلاك أدوات الحسم، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد بدلًا من تفكيكه.
وبحسب هذه الآراء، لم تكتف النقابة بإعلان موقفها الرافض، بل تحولت إلى طرف مباشر في الأزمة، من خلال مسار تصعيدي لم يستند إلى رؤية قانونية وتشريعية متكاملة، ما جعلها تتحمل جزءًا من مسؤولية إطالة أمد الأزمة دون نتائج ملموسة.
اقرأ أيضًا: أبرزها تعديل المعاش ورفض اعتماد الميزانية.. الجمعية العمومية لنقابة المحامين تقرّ بنود جدول الأعمال بالأغلبية
انقسام داخل مجلس نقابة المحامين
وفي هذا السياق، كشف مصدر مطّلع داخل النقابة، أن الأزمة لم تقتصر تداعياتها على العلاقة بين النقابة والدولة، بل امتدت إلى داخل مجلس النقابة نفسه، حيث خلقت حالة من الانقسام بين أعضائه.
وأوضح المصدر، أن المجلس انقسم بين تيار يرى ضرورة الدخول في صدام مباشر مع الدولة باعتباره السبيل الوحيد للدفاع عن حق التقاضي، وتيار آخر يرفض هذا المسار، محذرًا من كلفة الصدام، ويدعو إلى احتواء الأزمة عبر التفاوض والحلول التدريجية.
وأضاف المصدر، أن هذا الانقسام انعكس على قرارات النقابة، وأربك مسار المواجهة، وأفقد التحركات زخمها في بعض المراحل، في ظل غياب توافق داخلي واضح على شكل التصعيد وحدوده، مما ساهم في إطالة أمد الأزمة وأضعف قدرة النقابة على تقديم موقف موحد وحاسم.
هذا المسار، بحسب محامين، أدى إلى حالة من الإحباط داخل الجمعية العمومية، خاصة بعدما رفعت النقابة سقف التوقعات دون أن تنجح في ترجمتها إلى إنجاز فعلي، ومع استمرار فرض الرسوم، تحولت الإضرابات من أداة ضغط إلى مجرد تسجيل موقف، وفقد التصعيد معناه العملي، في ظل غياب بدائل حقيقية للحسم.
فشل النقابة في إدارة الأزمة
داخل أروقة المحاكم، انعكست هذه الأزمة على المحامين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين رسوم تُفرض فعليًا، وقرارات نقابية لا تغيّر الواقع، ومتقاضين يحمّلونهم مسؤولية الزيادة، ما أدى إلى إنهاك مهني واقتصادي واسع، ومع الوقت تحوّل الغضب الصاخب إلى صمت مثقل بالإحباط، في مؤشر خطير على تآكل الثقة في قدرة النقابة على إدارة واحدة من أخطر معاركها.
وبعد أكثر من عام على بداية الأزمة، لا تبدو هناك نهاية قريبة في الأفق، فلا إلغاء للرسوم، ولا تقنين تشريعي شامل، ولا تصعيد نقابي قادر على فرض حل، ما يجعل استمرار الوضع الحالي أقرب إلى تكريس للأمر الواقع، لا مجرد مرحلة مؤقتة.
وبين تصعيد لم يحقق أهدافه، وإضراب لم يُسفر عن نتيجة، يظل السؤال مطروحًا: هل تعيد نقابة المحامين تقييم أدواتها وتغيير طريقة إدارتها للأزمة، أم يستمر النزيف الصامت لحق التقاضي، وتتحول أزمة الرسوم القضائية إلى قاعدة دائمة داخل منظومة العدالة؟


















