لم نعد مجرد قراء لكتب تحذر من سطوة التكنولوجيا مثل “أبناء الشاشات المتوهجة” أو “الجنون الرقمي”؛ بل أصبحنا نحن أبطال هذه المأساة. لقد تحول الفضاء الأزرق في مصر إلى “ساحة محاكم تفتيش” دموية، الجمهور فيها يهلل لمن يذبح الآخر بكلمة، أو يغتاله بـ “تريند”.
نحن نمارس “فن الأذى عن بعد” ببراعة يحسدنا عليها الشيطان، متجاهلين أننا نأكل لحمنا الحي، ونحرق بأيدينا “قوتنا الناعمة”.
محمد صبحي.. حينما حاكمنا “ونيس” وأطلقنا سراح الحقيقة
البداية من تلك “المذبحة الأخلاقية” التي نصبناها للفنان القدير محمد صبحي، لقد سارعنا، بجهل وحقد، لاغتيال قيم “ونيس” التي ربا عليها أجيالاً، واتهمناه بأنه رجل “غير رحيم” ومتغطرس، ونصبنا أنفسنا حكاماً وقضاة قبل صدور الحكم في الجلسة.
ولكن.. ماذا ظهر بعد انقشاع غبار المعركة؟
ثبت للجميع أننا كنا نجلد الضحية، ثبت خطأ السائق وعدم مهنيته؛ فالرجل ترك مكانه ومسؤوليته لرغبته في الرحيل، ربما لقضاء حاجته أو لعدم قدرته على الوقوف، كان موقفاً إنسانياً أو مهنياً ملتبساً، تعامل معه صبحي بما يمليه الموقف، لكننا فسرناه بسوء نية مبيتة.
لقد اغتلنا الرجل معنوياً، وحاكمنا نواياه، وتجاهلنا تاريخاً طويلاً من الاحترام، لمجرد لقطة بترناها من سياقها، فمتى نتوقف عن جلد رموزنا بسياط التسرع؟ ومتى سندرك أن الكاميرا قد تكذب، وأن العين قد تخون، وأن الظلم ظلمات؟
السقا.. وهل جميعنا خريجو “أكسفورد”؟
ثم ننتقل إلى العبث مع أحمد السقا، حين انتفض الرجل بنخوة “ابن البلد” ليدافع عن محمد صلاح، تركنا نبل الموقف وأمسكنا بتلابيب “لغته”!
سؤالي للجهابذة: هل جميعنا يتحدث الإنجليزية الأكسفوردية؟
أعرف أكاديميين لا يملكون “نصف” جرأة السقا، ولا يملكون لغته التي سخرتم منها، ناهيك عن افتقارهم لتلك “الحمية” الوطنية، لقد كان السقا “محموماً” بمناصرة ابن جلدته والانتصار لقضية عادلة، وافتئاته على بعض المعايير المهنية لا يبرر أبداً محاولة اغتياله معنوياً، لقد فضلنا السخرية من “اللكنة” على احترام “الرجولة”، وتلك لعمري قمة المأساة.
منى زكي.. الانتقام من “قطعة الملابس الداخلية ” تحت ستار “الله عليكي يا ست”
أما ما يحدث مع منى زكي فهو إرهاب فكري، الهجوم عليها فور الإعلان عن فيلم “الست” ليس نقداً فنياً، بل هو “تصفية حسابات”.
البعض لا يزال يضمر لها الكراهية بسبب مشهد “التنازل عن قطعة ملابس داخلية” في فيلم سابق، هذا هو المحرك الخفي؛ رغبة في الانتقام تتخفى وراء قناع الغيرة على أم كلثوم أو انتقاد “نبرة الصوت”.
لماذا لا نتسامح مع اجتهاد فنانينا؟ لماذا نصادر حقهم في الإبداع والمحاولة؟ “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”، لكننا اخترنا أن ننال منها ونتحرش بها إلكترونياً قبل أن نرى شيئاً، وبذلك نحن الخاسرون، لأننا نخيف المبدع ونقمع الموهبة.
فتاة الفستان الأزرق.. هل انصلح الكون بطلاقها؟
والجرح النازف دوماً.. “فتاة الفستان الأزرق”، تلك التي اغتالتها “ذكاء الكاميرا” الخبيث والتنمر السيبراني، فتاة أو مدرسة أو أنثي مارست عفويتها، وعبرت عن أنثوية الانطلاق وبراءة الفرح في رحلة للانطلاق في عرض النيل ساحر العيون، فكان الجزاء: فضيحة، طلاق، وفقدان للوظيفة!
أسألكم بربكم: هل بخراب بيتها انصلح التعليم؟ هل استقامت منظومة المجتمع الأخلاقية؟ أم أننا بسلوكنا الرقمي غير المسؤول أنتجنا “ضحية اجتماعية” جديدة؟ لقد ذبحناها بسكين الفضيلة المدعاة، ونسينا أن “الستر” أوجب من “التريند”.
أحمد الأحمد.. حينما انتصرت الإنسانية في “سيدني”
وختاماً، الدرس الأبلغ يأتينا من المهاجر السوري البطل “أحمد الأحمد”.
حاول الفضاء السيبراني في البداية اغتيال سلوكه وتصويره كـ “همجي” يصرخ وينتفض بلا أسباب منطقية. ولكن.. أنصفه الواقع، تبين أن هذا الرجل الشريف لم يكن يدافع عن “فلذات كبده” فحسب، بل كان يدافع عن “جوهر الإنسانية”.
كان يتصدى لمهووس يحاول الاعتداء بالقتل على يهود ” أناسي ” يحتفلون بعيد “الحانوكا”، رجل مسلم، عربي، سوري، يلقي بنفسه للموت لينقذ “أرواحاً” تختلف معه في العقيدة وربما في الايدلوجية ، لأن فطرته السليمة ترفض “القتل على الهوية”. هنا خرس المرجفون، وانتصرت الحقيقة، وعاد الجميع ليصحح البوصلة أمام نبل هذا المهاجر الإنسان.
يا سادة، أنا لا أصادر حريتكم في التعبير، فهو حق دستوري، ولكن اعلموا أن هناك فرقاً بين “الحق” وبين “التعسف في استخدام الحق”.
توقفوا عن النيل من الرموز، وعن تهميش القامات، وعن انتهاك الأعراض، فبهذا السلوك تتآكل قوتنا الناعمة، ونصبح جميعاً خاسرين في وطن لا يرحم بنوه بعضهم بعضاً.
الكلمة أمانة.. فاتقوا الله في أحرفكم يرحمكم الله.





















