بهدوء وعقلانية، وتجرد وبعيدا عن أي أهواء شخصية، ومع الوضع في الاعتبار ما مرت به بلادنا من أحداث ثورية وتقلبات سياسية، فإن بناء الدولة القوية المدنية الحديثة لا يقوم فقط على قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل يلزم بالإضافة إلى ذلك بناء وعي مجتمعي، أو بالأحرى، عودة الوعي مرة أخرى إلى أفراد الشعب، بحسب ما نادى بذلك كاتبنا الراحل توفيق الحكيم منذ نحو خمسين عاما، بعد أن غاب أو غُيب خلال تلك السنوات الطويلة بفعل فاعل ومؤثرات أخرى كثيرة فقدنا خلالها أشياء كثيرة هامة في حياتنا، لا يتسع المقال لذكرها.
ومن ثم يصبح فتح المجال العام للحوار وتبادل الرأي بين كافة أطياف المجتمع ضرورة استراتيجية لتحصين وتقوية الجبهة الداخلية عبر الحوار العقلاني والموضوعي، لذا فإن توقيت ومكان توجيهات الرئيس السيسي الأخيرة، من مقر القيادة العسكرية الجديد، يفتح المجال للحوار الإعلامي الموضوعي وإقرار مبدأ “الرأي والرأي الآخر”، ويعطي دلالة هامة بأن الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل يرتكز أيضاً على الإعلام والوعي كركيزتين أساسيتين بجانب القوة العسكرية والاقتصادية لبلادنا العزيزة مصر.
إن تلك التوجيهات الرئاسية الهامة، تعد نقلة تاريخية تحسب للسيد الرئيس، وتحمل رسالة إلى كل المعنيين بأن التنوع في الآراء هو إثراء وقوة للمجتمع وليس خصما منه، كما أن رعاية الرئيس لاجتماع سنوي يعقد في 3 ديسمبر لمراجعة أوضاع الإعلام تعني تطوير الإعلام المصري وخضوعه للتقييم والمراجعة المستمرة، وهذا لا شك أحد أهم أسباب التقدم والحداثة، فالرياح التي تهب على البحيرة بين آن وآخر تحفظها من الركود والجمود كما قال الفيلسوف الألماني هيجل.
وإذا ما استحضرنا هنا قرار وزير الدولة للإعلام بتعيين قائمة تضم 22 مساعداً ومستشاراً ومعاوناً في تخصصات متنوعة، صحفية ورقمية، سنكتشف بسهولة أن هذا القرار يمثل ترجمة عملية للتوجيهات الرئاسية، فهذا الهيكل الإعلامي الاستشاري الواسع والمتنوع من الإعلاميين والصحفيين المصريين المتميزين، كل في مجاله وخبرته، يعكس رغبة حقيقية في ضخ دماء جديدة، لمواجهة تحديات الإعلام الحديث، خاصة الإعلام الرقمي والحروب التكنولوجية الجديدة من الجيلين الرابع والخامس.
ومما لا شك فيه أن الوعي الحقيقي لا ينشأ من الصوت الواحد، بل يتشكل من خلال “الرأي والرأي الآخر” والنقاش الموضوعي الذي يقدم للمواطن والسلطة في وقت واحد الحقائق كاملة.
كما أن الرأي والرأي الآخر يغلق الباب أمام الشائعات الموجهة وأصحاب المشاريع الخاصة البعيدة عن المشروع الوطني للدولة المصرية، فعندما يجد المواطن مساحة في إعلام بلاده للتعبير عن رأيه بحرية وجرأة، يفقد أي إعلام آخر معادٍ تأثيره.
وإذا ما انتقلنا من الرؤية السياسية إلى الواقع التنفيذي، فإن الفرصة الآن أصبحت متاحة لإعادة البريق للإعلام المصري كقوة رائدة في المنطقة وتعويض ما فاته من تخلف، بتحويل هذه التوجيهات الرئاسية والقرارات الوزارية إلى مشاركة أوسع لكل الشخصيات والمؤسسات والمواقع الإعلامية والصحفية، ليشارك الجميع معاً في بناء “وعي جديد” بعيداً عن البيروقراطية التي تغلغلت في كافة دواليب العمل بأجهزة الدولة خاصة أجهزتها الإعلامية، على أنه من المهم الاستفادة من الطاقات الشابة والتحول الرقمي الشامل لضمان وصول الرسالة الإعلامية بسهولة وبساطة ويسر لكل فئات المجتمع.
إن الدستور والقانون يحميان الحريات، ويكفلان حرية الفكر والرأي، والإرادة السياسية اليوم فتحت أمامنا الأبواب، نحو مرحلة، وخطوة تاريخية إعلامية جديدة، مما يصبح لزاماً علينا، بل من الواجب الوطني، أن نعمل جميعاً على إنجاحها لنعزز معاً جميعاً استقرار وتقدم وقوة ورقي بلادنا.





















