في زمن “التريند”، أصبحنا نرى مشهداً يتكرر بانتظام: نجم رياضي في قمة نجاحه يُسحب إلى ساحات معارك عائلية لا ناقة له فيها ولا جمل. ما نشهده مؤخراً من تصاعد الخلافات الأسرية في الفضاء العام هو نموذج صارخ لغياب الذكاء الاجتماعي والإعلامي؛ فبينما كانت نية البرنامج واضحة في الرغبة بتقديم “تكريم” للأم -في محاولة من الإعلامية لتكون مختلفة عن غيرها ممن اكتفوا باستضافة الزوجات- إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً. فبدلاً من أن تتحول الحلقة إلى احتفاء بمسيرة هذا النجم، تحولت -بسبب غياب التوجيه المهني وافتقاد الخبرة في التعامل مع عفوية الضيوف- إلى منصة للخصوصيات الجارحة والردود الانفعالية التي لا تليق بأسرة لاعب كبير.
إن ما تبع ذلك من ردود أفعال على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن إلا امتداداً لنفس العبث، حيث تحولت الخصوصية إلى ساحة للمنافسة، وابتعدت الأطراف عن الحكمة التي كان من الممكن أن تحمي صورة اللاعب وتلم شمل أسرته بدلاً من تمزيقها.
هنا تحضرني كلمات محمد صلاح الدقيقة في أحد لقاءاته، حينما قارن بواقعية بين بيئات الاحتراف في الخارج وبين واقعنا؛ حيث أكد أن اللاعب في الخارج “يُركز فقط على كونه لاعباً”، بينما هنا، يجد اللاعب نفسه محاصراً بمشاكل جانبية لا علاقة لها بالكرة، تشتت ذهنه وتستنزف طاقته.
في أوروبا، يتم صناعة “الأسطورة” بمنظومة متكاملة؛ يحرصون على تقديم صورة نقية للاعب، تجعله قدوةً ونموذجاً للمثابرة، تماماً كما نرى مع أساطير مثل ميسي، حيث يخرجونه في أحسن صورة للشباب ليكونوا مثالاً يحتذى به. هدفهم هو إلهام الطفل والشاب ليكون حلم “الوصول” ممكناً ومنظماً. أما لدينا، فنحن -للأسف- ننزع عن النجم “هيبة الأسطورة” ونحوله إلى “مادة للنميمة” و”موضوع للتريند”، مما يقتل في نفوس الشباب طموح القدوة.
إن المفارقة المؤلمة أننا، بإعلامنا وجمهورنا، نختار “التريند الوقتي” على حساب “صناعة التاريخ”. نحن نحارب فكرة “الرمز” والرسالة التي يمكن أن يقدمها الرياضي للمجتمع، ونستبدلها بمعارك عابرة تمنحنا دقائق من المشاهدة، لكنها تخسرنا جيلاً كاملاً كان يرى في هذا اللاعب قدوة.
إن استمرار هذا النهج يعني أننا لن نصنع أساطير، بل سنصنع فقط “قصصاً مؤقتة” سرعان ما تُنسى بمجرد أن ينطفئ وهج التريند. آن الأوان أن نفهم أن حماية الرموز، والاحتفاظ بخصوصية البيوت، هو جزء أصيل من الاحترافية، وهو الطريق الوحيد لأن نخرج للعالم بأسطورة حقيقية، لا بضحية لتريند عابر.





