كنت قاعد باقرأ عن الإسكندر الأكبر وحروبه في آسيا، بما أني مهتم حاليًا بتاريخ تلك المنطقة، فلفت نظري تشابه رهيب في أحداث معركة معينة وقتها مع حدث معاصر يخص تاريخ مصر الحديث، فقلت أحط المعركتين جنب بعض وأعمل المقارنة دي، اللي ما أعتقدش حد سبق ولاحظها.

بعد عبور جبال هندوكوش وغزو مناطق في باكتريا أو أفغانستان وباكستان الحالية، تحالف الإسكندر مع ملك تاكسيلا (أومفيس)، ثم توجه شرقًا نحو مملكة بوروس في البنجاب.
رفض بوروس الاستسلام، فتمركز بجيش من المشاة وخيالة وعربات حربية ونحو 200 فيل حربي على الضفة الشرقية لنهر هيداسبس، الذي كان منتفخًا بشدة بسبب ذوبان الثلوج والأمطار الموسمية (المونسون).

كان العبور المباشر مستحيلًا تقريبًا، فالنهر عميق وسريع، والفيلة تخيف الخيول المقدونية، وأي محاولة عبور أمام الجيش الهندي كانت ستُدمر القوات أثناء العبور.
وهنا أدرك الإسكندر أن القوة المباشرة لن تنجح، فاعتمد على سلسلة من الخدع لإرهاق بوروس وإضعاف يقظته.
جمع الإسكندر كميات كبيرة من الإمدادات والحبوب بشكل علني، وأشاع أنه سينتظر حتى ينخفض منسوب النهر في الخريف أو الشتاء.

وقسّم قواته إلى مجموعات صغيرة، وتحرك بها ليلًا ونهارًا صعودًا وهبوطًا على طول الضفة، مع إطلاق صرخات الحرب والضجيج كأنه يستعد للعبور في نقاط مختلفة.
كان بوروس في البداية يتابع هذه التحركات بجيشه، مما أرهق جنوده، ثم توقف عن الرد معتقدًا أنها مجرد خداع.
ترك الإسكندر أيضًا قائده كراتيروس (Craterus) مع جزء كبير من الجيش في المعسكر المقابل لبوروس مباشرة، مع أوامر بالتمويه المستمر (إبقاء النيران مشتعلة والخيام منصوبة، وحتى استخدام شبيه بالإسكندر في الخيمة الملكية حسب بعض الروايات).

أمر كراتيروس بعدم العبور إلا إذا تحرك بوروس بكل فيلته، ونقل القوارب التي استُخدمت سابقًا في عبور نهر السند (بعد تفكيكها)، وصنع طوافات من الجلود المملوءة بالقش، وأخفاها قرب نقطة العبور المختارة. هذه العمليات استمرت أسابيع، حتى اطمأن بوروس وقلّت يقظته.
اختار الإسكندر نقطة مناسبة على بعد حوالي 27 كم شمال المعسكر الرئيسي، منحنى في النهر مع رأس أرضي كثيف الأشجار وجزيرة غير مأهولة مغطاة بالغابات تحجب الرؤية.
في ليلة عاصفة (رعد وبرق وأمطار غزيرة غطت الضوضاء)، تحرك الإسكندر سرًا بقوة مختارة (حوالي 5000-6000 من الفرسان و6000-15000 من المشاة حسب التقديرات المختلفة، تشمل فرسان الرفقاء والرماة والهيباسبيستيس).
عبروا باستخدام القوارب والطوافات، وهبطوا أولًا على الجزيرة بالخطأ، ظنًا أنها الضفة الأخرى، ثم أكملوا العبور إلى الضفة الشرقية.
مع الفجر، علم بوروس بالخبر، فأرسل ابنه بقوة من الخيالة والعربات لمواجهة العبور، لكنها هُزمت وقُتل الابن. ثم تقدم بوروس بجيشه الرئيسي تاركًا حامية صغيرة أمام معسكر كراتيروس. عبر كراتيروس بدوره، وأصبح الجيش المقدوني قادرًا على مهاجمة بوروس من جهتين (مناورة كماشة).
دارت المعركة على سهل قريب. استخدم الإسكندر فرسانه بمهارة لتطويق الجناح الهندي، بينما واجهت المشاة الفيلة. وانتهت المعركة بهزيمة بوروس، الذي قاتل بشجاعة حتى النهاية. وأعجب الإسكندر بشجاعته، فعفا عنه وأعاده حاكمًا على مملكته كشاتراباس، بل وسّع أراضيه. كانت هذه آخر معارك الإسكندر الكبرى، والأكثر تكلفة لجيشه. بعد ذلك رفض الجنود المتقدمون التوغل أعمق نحو نهر الجانجا (بسبب الإرهاق والتقارير عن جيوش ناندا الهائلة)، فقرر العودة جنوبًا عبر السند.

تُعدّ هذه العملية مثالًا كلاسيكيًا على الخداع العسكري، واستخدام التمويه والإرهاق والطبيعة (العاصفة) والسرية لتحقيق عبور استراتيجي حاسم، بدلًا من المواجهة المباشرة. المصادر الرئيسية للقصة هذه تشمل أريانوس (أناباسيس الإسكندر) وكورتيوس روفوس وديودوروس.
هل قلد السادات الإسكندر؟
لم تُشر المصادر التاريخية الرئيسية (مذكرات السادات «البحث عن الذات»، مذكرات سعد الدين الشاذلي، الجمسي، أو الدراسات العسكرية الغربية والمصرية) إلى أي اقتباس مباشر أو دراسة لخطة الإسكندر في عبور نهر هيداسبس (معركة بوروس عام 326 ق.م.).
التخطيط المصري اعتمد على دروس حرب الاستنزاف، والقدرات المتاحة (بما فيها مضخات المياه لفتح الساتر الترابي)، والاستشارة السوفيتية جزئيًا، مع تركيز على حرب محدودة الأهداف.
تشابهات تكتيكية
كلا العمليتين اعتمدتا على الخداع الاستراتيجي لعبور عائق مائي محصّن، فالإسكندر تحركات متكررة وهمية على طول النهر لإرهاق بوروس، وتخزين إمدادات ظاهرية للإيحاء بالانتظار، وعبور سري ليلًا في عاصفة عند نقطة بعيدة، مع ترك قوة تمويهية في المعسكر الرئيسي.
أما مصر، فخطة خداع شاملة شملت مناورات متكررة وتعبئة كاذبة (أكثر من 20 مرة) لجعل الإسرائيليين يعتادون التحركات، وتسريبات إعلامية وسياسية (مثل حملة «اللاحرب واللاسلم»، وطرد الخبراء السوفييت، وزيارات ومباريات كرة قدم يوم 6 أكتوبر)، وهجومًا واسع الجبهة عبر قناة السويس في يوم كيبور/رمضان، مع عبور مشاة أولًا ثم جسور.

الخداع والعبور في أكتوبر كانا إنجازًا مصريًا أصيلًا في التخطيط والتنفيذ (بقيادة السادات وأحمد إسماعيل وآخرين)، حقق مفاجأة استراتيجية كبيرة، والتشابه مع عبور هيداسبس موجود على مستوى المبادئ العامة للحرب، لكنه ليس تقليدًا متعمدًا.
تفسيري لهذا التشابه هو أن في تاريخ الحروب، تبرز لحظات تلتقي فيها العبقرية العسكرية عبر القرون، كأن الزمن يعيد نفسه بأسماء مختلفة.
بين معركة نهر هيداسبس عام 326 قبل الميلاد، حيث عبر الإسكندر الأكبر النهر المتضخم ليواجه الملك الهندي بوروس، وعملية بدر في 6 أكتوبر 1973، حيث عبر الجيش المصري قناة السويس ليحطم خط بارليف، يظهر شبه عجيب في الخداع الاستراتيجي والتخطيط الدقيق للعبور أمام عدو متحصن. رغم الفاصل الزمني الذي يتجاوز 2300 عام، والاختلاف في الأسلحة والتقنيات، فإن المبادئ الأساسية واحدة: استخدام الخداع لإرهاق العدو وتهدئة يقظته، ثم تنفيذ عبور مفاجئ عبر مانع مائي هائل، مع ترك قوة تمويهية، والاستفادة من التوقيت والظروف الطبيعية.

نجح الإسكندر في عبور النهر، وهزم قوة بوروس الأولية (بما فيها ابنه)، ثم انتصر في المعركة الرئيسية، وأعاد بوروس حاكمًا حليفًا، أما المصريون فحطموا أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، واستعادوا الكرامة بعد نكسة 1967، وفرضوا واقعًا جديدًا أدى لاحقًا إلى السلام.
في كلا الحدثين، كان الخداع النفسي أساسيًا، جعل العدو يشك في نيته الحقيقية، ثم يضرب في اللحظة التي يفقد فيها التركيز، كلا القائدين (الإسكندر والسادات مع قادته) أدرك أن المانع المائي ليس مجرد عقبة جغرافية، بل فرصة إذا ما أُديرت بالدهاء.
هذه المقارنة ليست مجرد تشابه سطحي، بل تذكير بأن العبقرية العسكرية لا تموت مع الزمن، سواء كان النهر في الهند القديمة أو القناة في سيناء الحديثة، يظل الخداع والجرأة والمفاجأة مفاتيح النصر. وكما عبر الإسكندر إلى الشرق، عبر المصريون إلى الكرامة، ليبقى الدرس واحدًا: من يتحكم في عقل العدو يتحكم في ساحة المعركة.






















