لم يكن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تداول السلطة خلال الندوة التثقيفية مجرد إشارة عابرة في خطاب سياسي بل طرح سؤالًا جوهريًا أمام الحياة الحزبية المصرية هل أصبحت الأحزاب مستعدة لتقديم بدائل حقيقية أم ستظل أسيرة الشكوى من ضعف الإمكانات وضيق المجال السياسي؟
إن تداول السلطة ليس مجرد نص دستوري
ولا شعارًا يرتفع في المؤتمرات وإنما هو جوهر الدولة الديمقراطية واختبار حقيقي لقدرة الأحزاب على ممارسة السياسة باعتبارها مسؤولية وطنية لا مجرد سعي إلى مقاعد برلمانية أو مواقع تنظيمية. فالدولة القوية لا تخشى تعدد البدائل بل تستمد قوتها من وجود أحزاب قادرة على المنافسة ببرامج واضحة وقيادات مؤهلة ورؤية واقعية لمشكلات المواطنين.
لكن السؤال الأهم ماذا ستفعل الأحزاب السياسية خلال السنوات الثلاث المقبلة؟ هل ستتعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة بناء الثقة بينها وبين الشارع أم ستضيعها في خلافات داخلية ومبررات متكررة وانتظار لظروف مثالية قد لا تأتي أبدًا؟
لقد كشفت السنوات الماضية عن فجوة واضحة بين قطاعات من المواطنين والعمل الحزبي فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة ويبحث عن فرص عمل وخدمات أفضل، لا تكفيه بيانات الأحزاب ولا خلافاتها التنظيمية إنه يريد من يقدم له حلولًا قابلة للتطبيق ومن يراقب أداء الحكومة بجدية ومن يشرح له كيف يمكن تحويل الوعود إلى سياسات ونتائج ملموسة.
وهنا تقع المسؤولية على عاتق الأحزاب قبل غيرها، فضعف المشاركة لا يمكن تفسيره دائمًا بظروف البيئة السياسية وحدها كما لا يجوز تجاهل أثر هذه الظروف في قدرة الأحزاب على الحركة والتواصل. المطلوب هو مواجهة صريحة للجانبين: إصلاح ما يعوق العمل السياسي وفي الوقت نفسه مراجعة الأحزاب لأدائها وأساليب اختيار قياداتها وقدرتها على التواصل مع الشباب والمرأة والطبقة الوسطى والعمال والفلاحين.
إن السنوات الثلاث المقبلة يجب ألا تكون فترة انتظار بل مرحلة إعداد جاد لتداول سياسي مسؤول، إعداد يبدأ من تطوير الكوادر وصياغة برامج اقتصادية واجتماعية واقعية وتوسيع المشاركة الداخلية وبناء قواعد شعبية حقيقية في المحافظات وتقديم نماذج ناجحة في العمل المحلي والرقابة والتشريع.
كما أن الحزب الجاد لا يكتفي بمعارضة السياسات أو تأييدها بل يقدم البديل ويشرح تكلفته ومصادر تمويله وآليات تنفيذه، فالمعارضة ليست رفضاً دائمًا والموالاة ليست موافقة مطلقة كلاهما مسؤولية وطنية ومعيار النجاح هو مصلحة المواطن وقدرة الدولة على التقدم.
إن حزب الوفد بما يملكه من تاريخ سياسي ودستوري
عريق أمام اختبار خاص فاستعادة دوره لا تتحقق بالاستناد إلى أمجاد الماضي وحدها وإنما بتحويل هذا التاريخ إلى مشروع للمستقبل يعيد بناء الثقة ويقدم قيادات قادرة على المنافسة ويثبت أن الأحزاب الوطنية تستطيع أن تكون شريكًا في الإصلاح وصناعة القرار.
والأهم أن تداول السلطة لا يبدأ يوم الانتخابات بل يبدأ من اليوم الذي تمتلك فيه الأحزاب برامج بديلة وقيادات مؤهلة وقواعد شعبية وقدرة على إقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يصنع فارقًا.
إن السنوات الثلاث المقبلة ليست مهلة للأحزاب لتبرير تعثرها بل فرصة أخيرة لإثبات جدارتها، فهل سنشهد أحزابًا تستعد للمنافسة وتتحمل مسؤولية تقديم البدائل أم سنسمع بعد انتهاء السنوات الثلاث الحجج نفسها؟
إن التاريخ السياسي لا يرحم من يضيع الفرص والشارع لن ينتظر إلى الأبد.
فإما أن تتحول الأحزاب إلى قوة سياسية حقيقية تستحق ثقة المواطنين وإما أن تظل خارج معادلة التأثير مهما امتلكت من أسماء وشعارات وتاريخ.
فتداول السلطة لا تصنعه الرغبات وحدها بل تصنعه أحزاب تستعد ومواطن يثق ومنافسة سياسية جادة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.





















