يا قمر، إنت مالك ومال الجماعات؟! هو إنت كمان بقيت محتاج تصريح ظهور، وموافقة تنظيمية، وبيان رسمي يحدد لك تطلع إمتى وتختفي إمتى؟!
يا ساتر يا رب! ده إحنا كنا فاكرين إن القمر ملك السماء، طلع لازم نراجع موقفه من الجماعات الأول! كل فريق عايز يحدد له ميعاده، وكل طرف عنده حساباته، وكأن القمر اللي بيلف في مداره من آلاف السنين قرر فجأة – أو قرروا له (هما) – يدخل طرفًا في خلافات البشر!
والمفارقة إننا، بدل ما ننشغل بجوهر الدين وما يدعو إليه من رحمة وعدل وطمأنينة، بقينا أحيانًا ننشغل بمن يملك حق الكلام باسمه، ومن يمتلك الطريق الأصوب إلى الحقيقة، ومن يستطيع أن يفرض على الآخرين رؤيته باعتبارها القول الفصل.
يبدو أننا لم نعد نكتفي بتقسيم الأرض بيننا.. فقررنا أن نتقاسم السماء أيضا!
طيب،، إيه الحكاية ديه !!!؟
هقولكم،،،
الحكاية بدأت مع ما يُعرف بـ«التقويم المحمدي»، المرتبط برجل الدين العراقي فرقد القزويني، الذي يطرح تصورا مختلفا لحساب الشهور، ومغايرا للتقويم الهجري القمري المتعارف عليه. وهو مشروع تقويمي معاصر، وليس تقويما اسلاميا تاريخيا متفقا عليه. … (وعن متفق عليه ديه .. سيكون لنا مقال مفصل بإذن الله)
والأكثر إثارة للدهشة أن مواعيد بداية رمضان المنسوبة إلى هذا التقويم أثارت بدورها تساؤلات؛ إذ جرى تداول الأول من أكتوبر موعدا لبداية الشهر، بينما ظهر تداول آخر يحدد الجمعة 16 أكتوبر موعدا كذلك لأول أيام الصيام.
وبغض النظر عن صحة هذه التواريخ، وعن مدى دقة ما نسب إلى أصحاب التقويم، فإن تضارب الروايات يفتح بابا مشروعا للسؤال:
كيف تتعدد المواعيد المنسوبة إلى مرجعية واحدة؟ وما الأساس الذي يستند إليه كل طرح؟
إحنا رايحين على فين يا جماعة؟! هل أصبحنا أمام تقاويم متنافسة وروايات متضاربة، وكل طرف ينتظر من الناس أن يتعاملوا مع روايته باعتبارها الحقيقة النهائية أو السماوية !؟
و المسألة هنا يا عزيزى القارىء ليست السخرية من إجتهاد ديني أو من حق أحد في الإختلاف، وإنما السؤال عن حدود هذا الإختلاف، وعن الفارق بين إجتهاد يستند إلى العلم والحجة، وبين تحويل المسائل الدينية إلى ساحة أخرى من ساحات التنازع على المرجعية.
فمن حقك أن تجتهد، لكن ليس من حقك أن تحتكر السماء!
من حق كل إنسان أن يبحث ويسأل ويؤمن بما يطمئن إليه ضميره، ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإجتهاد إلى راية جماعة، والاعتقال إلى إختبار ولاء، والعبادة إلى نشرة تعليمات ينتظر الناس صدورها ليعرفوا كيف يمارسون إيمانهم!
بقى ده إسمه طيب !؟
الدين ليس بطاقة عضوية، والإيمان ليس قرارا تنظيميا، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى وسطاء يوزعون صكوك القرب منه على الأتباع.
يا عالم… يا هوو…
ليس كل إختلاف ضلال، وليس كل إجتهاد حقيقة مطلقة، وليس كل من ادعى امتلاك الحقيقة صار مالكا لها.
المؤلم والمحزن فعلا أننا نعيش زمنا صار فيه البعض منشغلا بإثبات أنه أكثر ايمانا من غيره، بدلا من أن يسأل نفسه:
هل جعلني إيماني أكثر رحمة؟
أكثر عدلا؟
أكثر بهجة؟
أكثر إنصافا للناس؟
أكثر نفعا لنفسى وللعالم ؟
أكثر رضا وسعادة ؟
فما قيمة أن نختلف على موعد الصيام، بينما ننسى جوهر الصيام؟ وما جدوى أن نتسابق على إثبات صحة الطريق، إذا كنا نفقد في الطريق أخلاقنا وإنسانيتنا؟
فليحتفظ كل إنسان بإيمانه، وليحترم معتقده ومعتقدات الآخرين، وليترك للناس مساحة يعبدون فيها الله بضمائرهم، بعيدا عن الخوف من مخالفة الجماعة، أو الشعور بأن الإيمان لا يكتمل إلا بتصديق مرجعية بعينها.
الدين لله.. والسماء ليست حكرا على أحد، والإيمان علاقة لا تحتاج إلى وصاية.
يا قمر، اطلع زي ما ربنا خلقك.. وسيب البشر يحلوا خلافاتهم بعيدا عنك!
فأنت لا تعرف الجماعات، ولا تقرأ البيانات، ولا تنتظر موافقة أحد كي تضيء السماء.
ما هذا العبث؟! حتى القمر يريدون أن يدخلوه في خلافاتهم، وكأنهم لم يكتفوا بتقسيم البشر على الأرض، فقرروا أن يتقاسموا السماء أيضا!
يا قمر.. ما تسمعش كلام حد؛ اطلع بنورك وجمالك للجميع، وإنتوا بقى سيبوا لكل إنسان إيمانه، ولكل قلب ضميره.
فالسماء لا تحتاج إلى أوصياء، والإيمان لا يحتاج إلى حراس، وربنا أوسع من أن يحتكره أحد.






















