بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن مواطنا مصريا من رعايا هذا الزمان العجيب، بعد أن أمضى عمرا يسدد فواتير الكهربا، فوجئ بأن عداد الكهربا الذي يسكن حائط بيته البسيط منذ سنوات بعيد، قد صار هو الآخر حكاية تستحق أن تروى فى العهد الجديد!
فقد كان يا مولاي، في سالف العصر والأوان، عداد ميكانيكي جميل يؤدي وظيفته في صمت رهيب، يعيش في بعض البيوت ثلاثين عاما أو يزيد، يقيس الإستهلاك، وتأتي الفاتورة، فيدفعها المواطن دون كارت أو تطبيق، ثم يعود بعدها لإستكمال همومه المعتادة دون ضجر ولا ضيق … وظل به الحال حتى أشرقت شمس التكنولوجيا الحديثة، فى الجمهورية الجديدة وبشرت الناس بعصر التطوير، الذى تختصر فيه الأجهزة الوقت، وتوفر المجهود، وتجعل الحياة بلا تعقيد.
فاستبشر المواطن المصرى خيرا، وقال لنفسه:
يا حلاوة المولد .. داخلين على زمن الدلع بقى.. وأوعى بقى …التكنولوجيا وصلت بقى …
وبمرور الوقت يا مولاى …العداد تغير، ونظام الشحن تغير، وطريقة التعامل مع الكهرباء تغيرت، والمواطن لقى نفسه بيعانى بدل المرة مرتين : الأولى مع الرصيد اللى بقى يطير ، والتانية : مع كارت الشحن اللى جايب له الهم والتفكير…
وهكذا إلى أن جاءنا النبأ المريب :
قال إيه المواطن قد يطالب بتكلفة استبدال العداد بعد عشر سنوات، مع إتاحة تقسيطها على سنوات طويلة… بتاع عشرة كده!
وهنا، يا سادة يا كرام سكتت شهرزاد عن الكلام المباح ربما لأنها لا تحب النباح …
من كتاب ألف نيلة ونيلة ….
وبعد ….إنتوا إزيكوا ؟ وعاملين إيه ؟؟
عندى كام سؤال كده بخصوص حكاية شهرزاد …. إسمحوا لى أن أطرحهم بلغة عربية سليمة عليها القيمة :
– أبلغ بنا التطور أن نقسط عداد الكهرباء؟! .
– وهل صار الجهاز الذي يقيس استهلاكنا يحتاج إلى خطة سداد!؟ .
– أم أن الحكاية اختلطت علينا، فأصبحنا ندفع ثمن الخدمة، ثم ثمن أدواتها، ثم نبحث عن تفسير لما ندفعه؟!
ولأن حكايات هذا الزمان لا ينقصها لا العجب ولا العجاب ، إلا أن أغرب ما فيها ليس أن تتطور الأجهزة، ولا أن تستبدل حين تثبت حاجتها الفنية إلى ذلك، وإنما أن يأتي التطوير محملا بتكلفة جديدة، بينما يظل المواطن يتساءل عن نصيبه من هذا التطور، وعن مقدار ما وفره له من وقت ومال ومجهود.
فقط أجيبونا يا سادة …
– فهل أنتم تطورون الخدمة، أم تطورون الأعباء؟؟!!!!، و هذه المرة تمنحونها ميزة السداد بالتقسيط المريح أو الميسر بحسب التصريح ….
تلك هي الحكاية ، وما خفي من تفاصيلها يحتاج إلى إجابات واضحة من المسؤولين، لا إلى حكاية أخرى تنتهي عند عبارة: «يمكنك السداد على أقساط».
من عداد عاش ثلاثين عاما.. إلى عداد يحتاج إلى خطة سداد!
لا أقول إن الماضي كان أفضل في كل شيء، ولا أدعو إلى العودة إلى الأجهزة القديمة لمجرد أنها قديمة. فمن الطبيعي أن تتطور شبكات الكهرباء ووسائل قياس الإستهلاك والتحصيل، وأن تستبدل الأجهزة التي يثبت فنيا أنها لم تعد صالحة للعمل.
لكن من حقنا أن نقارن، لا بين شكل العداد القديم والجديد فقط، وإنما بين ما كانت الخدمة تقدمه للمواطن وما أصبح مطالبا بتحمله في مقابلها.
لقد عاشت بعض العدادات الميكانيكية أكثر من ثلاثين عاما، وظلت تؤدي وظيفتها طوال هذه المدة. ثم انتقلنا إلى العدادات مسبقة الدفع، التي قد تحقق مزايا في متابعة الإستهلاك وتنظيم التحصيل، لكنها تفرض على المستخدم أيضا متابعة الرصيد والشحن والتعامل مع وسائل الدفع، وما قد يصاحب ذلك من مشكلات أو مشقة بحسب ظروف كل مشترك.
ثم ظهرت العدادات الكودية في حالات معينة لتقنين أوضاع التوصيلات غير المقننة، وتحمل مواطنون تكاليف مرتبطة بتركيبها وإجراءاتها. والآن، يبرز سؤال جديد عن تكلفة استبدال العدادات بعد مرور سنوات على تركيبها.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام رحلة متواصلة من التغيير:
جهاز يركب، ونظام يتبدل، وإجراءات تتجدد، وتكلفة تظهر من جديد. وأما السؤال الذي لا يتغير، فهو:
ما الذي تحسن في حياة المواطن فعلًا؟ وهل انعكس التطوير على سهولة الحصول على الخدمة وتكلفتها، أم أصبح المواطن مطالبا بالتكيف مع كل نظام جديد وتحمل تكلفة الإنتقال من نظام إلى آخر؟
أنا لا أنكر أن العدادات الحديثة قد تحقق فوائد فنية وتشغيلية مهمة، ولا أفترض أن العداد الميكانيكي كان أدق أو أفضل في كل الأحوال. لكن التطوير لا يقاس بحداثة الجهاز وحدها، بل بما يحققه من منفعة حقيقية للمواطن، وبقدرته على تحسين الخدمة وتقليل التعقيد وضمان العدالة في توزيع تكلفتها.
فإذا كان العداد قد أصبح أكثر تطورا، فمن حق المواطن أن يسأل: أين التطور الذي يشعر به في حياته، لا الذي يراه فقط على الحائط؟
عشر سنوات.. عمر افتراضي أم موعد جديد للدفع؟
في تصريحات صحفية نشرت في 16 أكتوبر 2026، نقل عن وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الدكتور محمود عصمت، أن المواطن يتحمل تكلفة استبدال العداد الذي مر على تركيبه عشر سنوات، مع إتاحة التقسيط الميسر. كما نقل تقرير صحفي سابق، نشر في أغسطس 2026 كذلك عن مصدر مسؤول بالشركة القابضة لكهرباء مصر أن بلوغ العداد عمره الافتراضي لا يعني بالضرورة استبداله تلقائيًا، وأن حالته الفنية ودقته من العوامل المهمة في التعامل معه.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: هناك فارق بين أن يكون للعداد عمر تشغيلي يستدعي المتابعة والفحص، وبين أن يتحول مرور عشر سنوات إلى سبب لتحميل المواطن تكلفة جديدة، من دون أن تتضح له المعايير التي يتخذ القرار على أساسها.
فإذا كان الاستبدال مرتبطا بالحالة الفنية، فكيف تفحص العدادات؟ ومن يحدد صلاحيتها؟ وهل يحصل المواطن على بيان يوضح سبب تغيير عداده تحديدا؟ وإذا كان العداد لا يزال يعمل بكفاءة ودقة، فما القواعد التي تحكم استمراره في الخدمة أو استبداله؟
أما إذا كان الأمر يتعلق بسياسة إحلال وتجديد دورية، فمن حق المواطن أن يعرف ذلك بوضوح، وأن يعرف كيف تمول هذه السياسة، وعلى أي أساس توزع تكلفتها بين الشركة والمشترك.
وهل كل عداد تجاوز عشر سنوات سيستبدل، أم أن هناك ضوابط فنية وتنظيمية تختلف بإختلاف نوع العداد وحالته؟ وما مصير من دفع بالفعل مبالغ لتركيب عداد كودي أو لتنفيذ إجراءات مرتبطة به، ثم أصبح أمام تكلفة جديدة؟
هذه ليست محاولة لتعطيل التطوير، بل مطالبة بأن يشرح القرار قبل أن يتحول إلى إلتزام مالي. فالعمر الإفتراضي للجهاز مسألة فنية، أما تحديد من يدفع تكلفة استبداله فمسألة مالية وتنظيمية تحتاج إلى قواعد معلنة وواضحة.
لأن السؤال ليس فقط: كيف سيدفع المواطن؟ بل:
لماذا سيدفع أصلا، وما الذي يضمن أن ما يدفعه مستحق وعادل؟
وللحديث بقية…






















