لطالما كان نبش المقابر فعلا مستهجنا في كل الثقافات تقريبا، يحرمه الدين وتجرمه الدولة، بل وتسبغ الثقافة الشعبية على فاعله ألوانا من اللعنات الغامضة وسوء المصير المحتوم، استخدمه الغزاة والفاتحين ووارثو ومغتصبو الحكم ضد المهزوم كأشنع ما يمكن ان يُفعل بالشعوب بعد القتل والسبي والاغتصاب، بل ربما تأثيرها النفسي أكثر مما سبق، ونحن هنا بصدد زيارات للماضي في أزمنة مختلفة للتعرف على أشهر قصص نبش القبور والمصير المزعوم لفاعليها، ولو أن التقصي هذه المرة يختص بشيء قد يعتبره البعض خرافة.

مصر هي بلد لعنة الفراعنة، أو لعنة فتح قبور الفراعنة، عند فتح مقبرة توت عنخ آمون وجد على جدرانها النقش التالي: “سيضرب الموت بجناحية السامين كل من يعكر صفو الملك“، ثم توالت حالات الوفاة فيمن لهم صلة بكشف المقبرة، ومنهم اللورد كارنارفون ممول التنقيب وريتشارد بيتل سكرتير المكتشف هوارد كارتر وهوراد كارتر نفسه وهيو إيفيلين وايت عالم المصريات وميرفين هيربرت أخو اللورد كارنارفون وآرثر ويجال عالم المصريات، وقائمة طويلة أخرى تشمل عمالا مصريين أيضا.

وتزعم الأسطورة البابلية الشهيرة أن جلجامش في رحلة بحثه عن الخلود ينبش قبر الملك حمباب في جبل الموتى ليحصل على أسرار الخلود، مما فتح عليه بابا من الأهوال والمغامرات ولقاء وحوش ومخلوقات مرعبة، ليدرك بعدها أنه ميت لا محالة، وأنه لا سبيل لخلوده إلا بأعماله الخيرة.

عند الفايكينج وشعوب سكاندينافيا القديمة توجد أسطورة حول مخلوقات الدراوجر، وهي أرواح بلا أجساد، ينطبق على أشكالهم ما يمكن أن نصف به مخلوقات الزومبي في أفلام هوليود، هي مخلوقات شريرة وقوية تؤذي البشر ويمكنها رفع صخور ضخمةأو سفن بأكملها، لهم ذكر في الكثير من أساطير الفايكينج أو الساجاز، مثل ساجا إيجيل وساجا جلاما، لكن كان من أبرز ما يقوم به هؤلاء عقاب مدنسي القبور.

سنة 1941 قام العلماء السوفييت بفتح مقبرة تيمور لنك في مدينة سمرقند بأوزبكستان، برغم من تحذيرات زعماء محليين، وأخذوا الجثة لدراستها في موسكو، لكن الغريب أنه بعد فتح المقبرة بيومين فقط بدأ الغزو الألماني لروسيا أو ما يسمى بالعملية بارباروسا، فربط العامة بين الأمرين وبين ما كان يسمى عندهم لعنة تيمور لنك، خصوصا وأن القبر كان مكتوبا عليه نصا: “عندما أقوم من الموت، يرتجف العالم” و”من يزعج قبرتي سيُطلق العنان لغزاة أفظع مني”، ويبدو أن ستالين نفسه صدق الخرافة، فأمر بإعادة دفن الجثة بمراسم إسلامية كاملة رغم أنه كان ملحدا.

يقول ابن المبارك في كتاب الجهاد إن معاوية بن أبي سفيان أمر واليه على المدينة بنبش قبور الصحابة من شهداء غزوة أحد بحجة حفر عين للماء، فهل مر هذا الفعل مرور الكرام؟ نجد أن ابن الأثير في الكامل في التاريخ ذكر لنا اأن العباسيين نبشوا قبور الأمويين في دمشق وأولهم قبر معاوية ثم قبر يزيد ثم قبر عبد الملك، بل إنهم أخرجوا جثة هشام بن عبد الملك وجلدوها بالسياط وصلبوها ثم حرقوها ونثروا الرماد في الرياح.

ويوثق الطبري في كتاب تاريخ الأمم والملوك واقعة من أربع وقائع قام فيها الخليفة العباسي المتوكل بنبش قبر الإمام الحسين بن علي في كربلاء، وأمرهم أن يحرثوا مكان القبر بالبقر ويسقوه بالماء ويزرعوه، وقد هدم المتوكل كذلك البيوت المحيطة بالقبر، تكرر ذلك في 233هـ و236هـ و237هـ و247هـ، ولم يكن المتوكل يدرك أنه ربما وضع نهاية لدولة العباسيين القوية وبداية ضعفها وهوانها، فقد تم اغتياله في نفس عام المحاولة الرابعة لهدم ضريح الحسين، على يد جنوده الأتراك، بمعاونة من ابنه المنتصر فلذة كبده، بسبب محاولته تحجيم نفوذ الأتراك في الدولة، ثم بويع المنتصر للخلافة بينما كل النفوذ في يد القادة الأتراك، ولم تعد البلاد تحتكم إلى الخليفة، ضعفت السلطة المركزية وقامت خلافات بين الأبناء والطوائف، حتى إن الخلافة نفسها قسمت بين عدة أشخاص، بدأت التمردات ومحاولات الاستقلال ومنها استقلال الصفاريين بخراسان مثلا، كما بدأ تعدي البيزنطيين على الدولة مرة أخرى، وظلت الدولة ضعيفة مرورا بالسلاجقة والمماليك حتى غزو المغول.
أحضر المعز لدين الله معه رفات أئمة الشيعة الذين سبقوه ليدفنهم في القاهرة في تربة الزعفران، وكانت تربة محلاة بقناديل الذهب والرخام وغاية في الفخامة، لكنها نهبت في الشدة المستنصرية، ثم جاء صلاح الدين فتحولت التربة إلى مقلب للقمامة والجيف، ثم جاء السلطان برقوق وكان عنده مملوك اسمه جهاركس الخليلي، قرر هذا الأمير أن يبني لنفسه خانا تجاريا، فاختار مكان تربة الزعفران لأنها بجانب قصر برقوق، لكن كان من الصعب أن ينبش القبور بدون فتوى، فأخد فتوى من شيخ حنفي هو شمس الدين محمد القليجي بأن هذه قبور شيعة فعادي أن تنبش، تاني يوم جاب عمال وحمير وقففونبش القبور كلها، وجمع جثث الأئمة والرجال والنساء والأطفال في القفف.
ورماهم في مزبلة كيمان البرقية اللي مكانها حاليا حديقة الأزهر، وظل مقلب قمامة حتى العصر الحديث، وبالفعل بنى الخان بتاعه أو خان الخليلي الموجود حاليا كمعلم سياحي، لكن برقوق بعته يحارب اللي تمرد عليه في دمشق، فاتهزم واتقتل واتسابت جثته على الأرض وعورته مكشوفة، لحد ما انتفخ وانفجر ومحدش دفنه، وحتى المؤرخ المقريزي شمت في موته.
وإذا شددنا الرحال إلى بلاد المغرب والأندلس، نجد ما فعله الموحدون في المرابطين يرد إليهم مرة أخرى على يد المرينيين، ففي كتاب وصف إفريقيا للحسن الوزان يحكي ماذا فعل عبد المؤمن بن علي في مراكش، فتكوا بالناس وقتلوا أمراء المرابطين وذبح بن علي بنفسه إسحاق بن تاشفين، ثم نبش قبور أمراء المرابطين كلها وهدم مساجدهم بحجة ميلها عن القبلة، وحول قبة مسجد ابن يوسف إلى مرحاض، كما هدم الكنائس ومعابد اليهود، وألغى الجزية وخير اليهود بين الإسلام وضرب العنق أو الهجرة، وذكر الأمر نفسه عبد الواحد المراكشي في كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب. وذكر ابن عذاري في البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب أن الموحدين أخرجوا جثة تاشفين بن علي بن يوسف وأحرقوها، ثم علقوا الجمجمة على غصن شجرة في مدينة تينمل.
لكن بعد أفول دولة الموحدين نالت قبورهم نفس المصير مع المرينيين، فالمقريزي يقول في السلوك لمعرفة دول الملوك: “نبش عمال بني مرين قبور خلفاء الموحدين وأخرجوا عبد المؤمن بن علي وابنه يعقوب المنصور من قبريهما، وقطعوا رأسيهما وضربت أعناق من كان بجبل تينمل، وصلبوا بمراكش وأُخذت أموالهم”.
وقد لا تتوقعون هذا بس حتى قبر النبي لم يسلم من محاولات النبش، فيقول مؤرخ المدينة المنورة الشيخ علي السمهودي في كتاب “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى” إنه في عهد السلطان نور الدين زنكي اضطر السلطان إلى تقوية حجرة النبي بالحجر الآجر والرصاص حتى لا تتعرض للنهب والسرقة بعد أن رأى رؤيا، يقال إنه رأى في المنام الرسول يقول له انجدني من هؤلاء، وأشار إلى رجلين أشقري الشعر، فسافر زنكي إلى المدينة بحثا عن الرجلين، فوجد رجلين يدعيان أنهما حاجَّان من المغرب يكيل لهما الناس الثناء على تقواهما وبرهما، لكنه وجد في بيتهما نفقا، واكتشف نيتهما لسرقة جسد الرسول لصالح الصليبيين، فضرب رقبتيها، وصب الرصاص في خندق حول القبر ليحميه، هذه القصة أوردها ايضا في كتبهم كل من أبي شامة وابن كثير وشهبة وابن العماد والبزرنجي.
كل ما ذكرته ليس إلا قصصا وصلتنا عبر التاريخ، لا تثبت أي شيء علمي، فسوء العاقبة ليست شيئا ماديا نطبق عليه القياسات العلمية، إلا ربما فقط عند المؤمنين بها من المتدينين من مختلف الأديان سماوية كانت أو غير سماوية، وهي أيضا تسمى بالكارما كما تسمى عند الهندوس، حتى أصبحت الكارما مصطلحا حديثا رائجا كموضة في وصف الأمر بين الأجيال الجديدة وذوي الثقافة الغربية، وما سبق من قصص ما ذكرته إلا للتسلية وأخذ العظة والعبرة من التاريخ، وهذه هي وظيفة التاريخ، نتعلم منه ونتجنب تكرار أخطائه؛ لأن من يكررها ملعون لا يفلت من سوء العاقبة والمنقلب، وهذا أمر لا سبيل لتفسيره بالعلم إلا أنه يحدث.


















