حوار- آدم خضر
تحتفل دول العالم باليوم العالمي للسياحة، في مناسبة تسلط الضوء على أهمية القطاع السياحي ودوره في دعم الاقتصاد والتعريف بثقافات وحضارات الشعوب، وتعد مصر واحدة من أبرز الدول السياحية لما تمتلكه من مقومات تاريخية وأثرية وطبيعية، جعلتها مقصدًا لملايين السائحين من مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا الإطار، أجرينا حوارًا مع المرشد السياحي الدكتور أحمد عبد المقصود كمونة المساعد السابق للآثار المصرية القديمة بجامعة القاهرة والرئيس الحالي لشركة كابتيفاتنج ايجيبت تورز ، للحديث عن واقع السياحة المصرية، وأهمية دور المرشد السياحي وما تحتاجه مصر لتطوير تجربتها السياحية وتعزيز قدرتها على المنافسة عالميًا.
في البداية.. ماذا يمثل لك اليوم العالمي للسياحة؟
اليوم العالمي للسياحة بالنسبة لي ليس مجرد مناسبة احتفالية أو تاريخًا نحتفل به كل عام، وإنما هو فرصة لنسأل أنفسنا: ماذا قدمنا للسائح؟ وماذا قدمنا لمصر من خلال السياحة؟
السياحة في رأيي ليست مجرد غرف فندقية، أو تذاكر طيران، أو زيارات إلى المواقع الأثرية؛ السياحة هي صناعة صورة ذهنية عن وطن كامل. وكل سائح يدخل مصر هو في الحقيقة ضيف يحمل معه انطباعًا عن المصريين، وعن تاريخنا، وعن قدرتنا على أن نروي قصتنا للعالم.
وأعتقد أن مصر تحديدًا تمتلك ما يجعل اليوم العالمي للسياحة مناسبة مختلفة؛ لأننا لا نتحدث عن صناعة قائمة فقط على الطبيعة أو الترفيه، وإنما عن بلد يستطيع أن يقدم للسائح آلاف السنين من التاريخ إلى جانب البحر والصحراء والثقافة والحياة اليومية والإنسان المصري
من وجهة نظرك.. ما الذي يميز المقصد السياحي المصري عن غيره؟
الميزة الأساسية لمصر هي أنها ليست مقصدًا سياحيًا له عنوان واحد، وإنما مقصد سياحي متعدد التجارب في بلد واحد.
في الصباح يمكن للسائح أن يقف أمام أهرامات الجيزة التي ما زالت، بعد أكثر من أربعة آلاف عام، واحدة من أعظم الإنجازات التي عرفها الإنسان، وفي اليوم التالي يستطيع أن يبحر في النيل بين الأقصر وأسوان، ثم يستمتع بالبحر الأحمر، أو يعيش تجربة مختلفة تمامًا في الصحراء وسيوة.
لكن هناك عنصرًا آخر أراه أكثر أهمية، وهو أن مصر لا تقدم للسائح “آثارًا” فقط، بل تقدم له قصة إنسانية مستمرة. عندما يمشي السائح في القاهرة القديمة، أو يسمع صوت الأذان بجوار أجراس الكنائس، أو يجلس في مقهى شعبي ويتحدث مع المصريين، فهو لا يشاهد مصر فقط، بل يعيشها.
وهنا تكمن قوة المقصد المصري: مصر ليست متحفًا مفتوحًا فحسب، وإنما بلد حي يعيش فوق تاريخه
وهل ترى أن مصر تستغل مقوماتها السياحية بالشكل الأمثل؟
أعتقد أننا قطعنا خطوات مهمة جدًا، ولكن بصراحة ما زالت أمامنا فرصة أكبر بكثير مما نستغلها حاليًا.
مصر تمتلك مقومات سياحية تكاد تكون استثنائية عالميًا، لكن التحدي ليس في امتلاك المنتج، وإنما في إدارته وتسويقه وتقديمه بالشكل الذي يليق بقيمته.
نحن بحاجة إلى الانتقال من فكرة “تعال وشاهد الأهرامات” إلى فكرة “تعال واكتشف الحضارة المصرية”، وهناك فرق كبير بين أن يرى السائح حجرًا عمره آلاف السنين، وبين أن يفهم لماذا بُني، ومن بناه، وكيف عاش الإنسان المصري القديم، وما الذي يجعل هذه الحضارة مؤثرة حتى اليوم.
كما نحتاج إلى تنويع المنتجات السياحية، والاهتمام بالسياحة الثقافية، والبيئية، وسياحة المغامرات، والسياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات، والسياحة الشاطئية
ومصر لا تعاني من نقص في المنتج السياحي؛ مصر تحتاج إلى أن ترى منتجاتها بصورة أكثر إبداعًا واحترافية
ننتقل إلى دور المرشد السياحي.. كيف تصف أهمية هذه المهنة؟
المرشد السياحي في رأيي هو صوت الحضارة المصرية أمام العالم، قد ينسى السائح اسم الفندق الذي أقام فيه، وقد لا يتذكر تفاصيل الرحلة الجوية، لكنه في كثير من الأحيان يتذكر المرشد الذي جعل حجرًا صامتًا يتحدث.
المرشد الحقيقي لا يقدم معلومات محفوظة فقط، هو يربط بين المعلومة والقصة، وبين الأثر والإنسان، عندما أقف أمام تمثال أو معبد، مهمتي ليست أن أقول للسائح: “هذا تمثال من عصر كذا”، وإنما أن أجعله يتساءل: من صنعه؟ لماذا صنعه؟ ماذا كان يعني للمصري القديم؟ وكيف وصل إلينا؟
ولهذا أرى أن المرشد السياحي يحتاج إلى ثلاثة أشياء في وقت واحد: المعرفة، والقدرة على التواصل، والشغف.
فالمعلومة وحدها تصنع محاضرًا، لكن الشغف هو الذي يصنع مرشدًا يستطيع أن يجعل السائح يقع في حب مصر
ما أكثر شيء يلفت انتباه السائح الأجنبي عند زيارته لمصر؟
المثير للاهتمام أن الأهرامات والآثار تكون عادة في مقدمة توقعاته، لكن كثيرًا من السائحين يكتشفون شيئًا آخر بعد وصولهم: الإنسان المصري.
السائح يأتي وهو يريد أن يرى الأهرامات وأبو الهول والمعابد، لكنه غالبًا ما يغادر وهو يتحدث أيضًا عن المصري الذي قابله، وعن روح الدعابة، والكرم، وطريقة التعامل، والحياة في الشارع.
وبالنسبة للآثار نفسها، أكثر ما يدهش السائح هو أن ما يراه ليس مجرد بقايا حضارة، وإنما أعمال ضخمة لا تزال تحمل قدرًا هائلًا من الدقة والجمال بعد آلاف السنين.
وأحيانًا أحد السائح يقف أمام أحد التفاصيل الصغيرة في معبد أو مقبرة مذهولًا أكثر مما يكون أمام المنظر الأشهر؛ لأن عظمة الحضارة المصرية تظهر في التفاصيل بقدر ما تظهر في الضخامة
هل تختلف الصورة التي يحملها السائح عن مصر قبل الزيارة عن الصورة التي يخرج بها بعد الزيارة؟
بالتأكيد، وفي حالات كثيرة يكون الفرق كبيرًا جدًا، فجزء من الصورة التي يحملها السائح قبل السفر تكون مصنوعة من الأفلام، ووسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وأحيانًا من تصورات قديمة جدًا عن مصر
لكن عندما يصل ويعيش التجربة بنفسه، تبدأ الصورة في التحول، ويكتشف أن مصر الحديثة ليست مجرد أهرامات وآثار، وإنما مجتمع نابض بالحياة، وأن القاهرة مدينة ضخمة ومليئة بالتناقضات الجميلة، وأن المصريين لديهم قدرة كبيرة على التواصل والضحك والاحتفاء بالضيف.
وأعتقد أن أجمل لحظة بالنسبة للمرشد هي عندما يقول له السائح في نهاية الرحلة: “مصر لم تكن كما توقعتها، لأن هذا يعني أننا لم ننجح فقط في تقديم رحلة ناجحة، بل نجحنا في تغيير صورة بالكامل في ذهن إنسان
ما أبرز التحديات التي تواجه المرشدين السياحيين؟
من أهم التحديات ضرورة مواكبة التطور المستمر في صناعة السياحة، والسائح اليوم أصبح أكثر اطلاعًا؛ يستطيع قبل أن يصل إلى مصر أن يقرأ عشرات الكتب والمقالات، ويشاهد مئات الفيديوهات، ويعرف الكثير عن الموقع الأثري الذي سيزوره. ولذلك لم يعد كافيًا أن يمتلك المرشد مجموعة من المعلومات التقليدية.
المرشد اليوم يجب أن يكون باحثًا، ومثقفًا، ومتحدثًا جيدًا، وقادرًا على استخدام تكنولوجيا ووسائل التواصل، وأن يفهم اختلاف الثقافات، كما أن هناك تحديات مرتبطة بالموسمية، وظروف العمل، والتدريب المستمر، وضرورة الحفاظ على مكانة المهنة باعتبارها مهنة علمية متخصصة وليست مجرد وظيفة مرافقة للسائح.
وأنا أؤمن أن الاستثمار في المرشد السياحي هو استثمار مباشر في سمعة مصر السياحية
هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عنصرًا أساسيًا في الترويج للسياحة؟
لم تعد مجرد عنصر أساسي؛ أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تصنع القرار السياحي، واليوم قد يشاهد شخص في الطرف الآخر من العالم فيديو مدته ثلاثون ثانية عن معبد أبو سمبل أو رحلة في النيل، فيقرر بعدها أن يضع مصر على قائمة أحلامه.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، فهي تستطيع أن تروّج لمصر بصورة هائلة، وفي الوقت نفسه تستطيع أن تنقل تجربة سلبية إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
لذلك نحن بحاجة إلى صناعة محتوى سياحي احترافي لا يكتفي بالصور الجميلة، وإنما يروي القصة، ويقدم المعلومة ويخلق الرغبة في التجربة، وأعتقد أن أفضل سفراء لمصر اليوم ليسوا فقط الحملات الإعلانية الرسمية، وإنما أيضًا كل سائح يغادر مصر سعيدًا ثم ينشر تجربته الحقيقية أمام أصدقائه ومتابعيه
لو طلبنا منك اختيار مكان واحد في مصر تنصح أي سائح بزيارته.. ماذا تختار؟
سيكون اختياري الأقصر، وقد يبدو السؤال صعبًا جدًا لمرشد وعالم آثار؛ لأن اختيار مكان واحد من مصر يشبه أن تطلب من شخص أن يختار جوهرة واحدة من صندوق مليء بالجواهر.
لكن الأقصر تحديدًا تمنح السائح إحساسًا استثنائيًا بأنه يسير داخل قلب الحضارة المصرية القديمة.
في مساحة جغرافية محدودة نسبيًا يستطيع أن يرى معابد الكرنك والأقصر، ويعبر إلى الضفة الغربية ليزور وادي الملوك والمعابد الجنائزية، ثم يشاهد النيل وهو يفصل بين ضفتي المدينة.
والأجمل أن تجربة الأقصر ليست مجرد زيارة مواقع أثرية؛ يمكن أن تبدأ بيوم في المعابد وتنتهي برحلة هادئة فوق النيل، أو حتى برحلة بالمطاد في الصباح.
لو أتيحت لك فرصة توجيه رسالة للمسؤولين عن قطاع السياحة.. ماذا تقول؟
أقول لهم: هناك كنز سياحي جديد يمكن لمصر أن تفتحه أمام العالم، وهو أن تصبح مصر مرة أخرى واحدة من أهم مواقع تصوير السينما والدراما العالمية.
مصر تمتلك تنوعًا يكاد يكون فريدًا في العالم؛ ففي بلد واحد تجد الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية، والمدن التاريخية، والآثار والمعابد، والصحراء والجبال، والبحار والشواطئ، والنيل، والواحات. وهذا التنوع يجعلها موقعًا طبيعيًا واستثنائيًا لصنّاع السينما والدراما العالمية.
لكننا نحتاج إلى تسهيل الطريق أمام هؤلاء المنتجين والمخرجين، خصوصًا فيما يتعلق بإجراءات التصاريح، واللوجستيات، وتنسيق التصوير في المواقع المختلفة، وتقليل المعوقات الإدارية. وإذا استطعنا أن نقدم لهم منظومة أكثر مرونة وسرعة ووضوحًا، فأعتقد أن مصر تستطيع أن تستعيد بقوة مكانتها كوجهة عالمية للتصوير.
والأهم أن العائد لن يتوقف عند صناعة الفيلم أو المسلسل نفسه.
هناك ظاهرة سياحية عالمية مهمة تُعرف بالسياحة السينمائية؛ فالسائح لا يكتفي بمشاهدة المكان على الشاشة، وإنما يريد أن يذهب إليه ويقف في الموقع نفسه الذي شاهده في فيلم أو مسلسل أحبه.
تخيل أن يشاهد ملايين الأشخاص حول العالم مشهدًا دراميًا صُوّر في أحد معابد الأقصر، أو في الصحراء المصرية، أو على شاطئ من شواطئ البحر الأحمر، ثم يقرر عدد منهم أن يزور مصر لكي يعيش التجربة بنفسه. هنا تتحول الشاشة إلى نافذة سياحية، ويتحول موقع التصوير إلى مقصد سياحي.
لذلك، إذا أردنا أن نفكر في المستقبل، فلا ينبغي أن ننظر إلى السينما باعتبارها صناعة منفصلة عن السياحة. الفيلم الناجح يمكن أن يكون إعلانًا سياحيًا لمصر يستمر تأثيره لسنوات، وربما لعقود، دون أن يدفع السائح نفسه ثمن هذا الإعلان.
ورسالة أخرى أوجهها للمسؤولين: استثمروا في الإنسان بقدر ما تستثمرون في الحجر. لدينا آثار عظيمة، ولكن العالم لا يزور الآثار وحدها؛ العالم يزور تجربة كاملة.
نحتاج إلى تطوير الخدمات، ورفع مستوى التدريب، ودعم المرشد السياحي، وتحسين تجربة الزائر في المواقع المختلفة، والاستمرار في تطوير البنية التحتية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أصالة المكان.
وأتمنى أيضًا أن يكون لدينا تركيز أكبر على تقديم مصر كعلامة سياحية متكاملة، لا كوجهات منفصلة.
وأهم شيء: لا نكتفي بأن نقول للعالم إن مصر لديها أعظم حضارة؛ دعونا نجعل العالم يعيش هذه الحضارة بطريقة تجعله يريد العودة مرة أخرى.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يأتي السائح مرة واحدة، وإنما أن يغادر مصر وهو يقول: “أريد أن أعود”
وأخيرًا.. ماذا تقول للسائح الذي يفكر في زيارة مصر؟
أقول له: لا تأتِ إلى مصر فقط لتشاهدها… تعالَ لتعيشها، لا تجعل رحلتك مجرد قائمة من الأهرامات والمعابد والمتاحف، وتحدث مع المصريين، جرب الطعام، امشِ في شوارع القاهرة القديمة، استمع إلى حكايات المرشدين، شاهد شروق الشمس فوق النيل، واكتشف التفاصيل الصغيرة التي لا توجد في الكتب.
وإذا وقفت يومًا أمام الأهرامات، تذكر أنك لا تقف أمام مجرد مبانٍ قديمة؛ أنت تقف أمام واحدة من أعظم الأفكار التي استطاع الإنسان أن يحولها إلى حقيقة.
ومصر، في النهاية، ليست مكانًا تراه وتنتهي منه الرحلة، مصر تجربة تبدأ قبل الوصول، وتستمر بعد العودة، وربما تكون أجمل هدية يمكن أن تعود بها من رحلتك هي أن تكتشف أنك لم تزر بلدًا له تاريخ عظيم فقط، بل زرت بلدًا ما زال تاريخه يعيش بين الناس حتى اليوم.






















