من البداية كانت مطالب الناس واضحة “عيش”.. “حرية”.. “عدالة اجتماعية”.. “كرامة إنسانية”، لكن السياسة أدارت ظهرها للناس وأحوالهم، واتجهت نحو مصالح حزبية ضيقة واستقطابات وصراعات استمرت لسنوات بين ثنائيات لا تمت للناس وأحوالهم بأي صلة.. عسكري ومدني.. إسلامي وعلماني.. شبابي.. ليبرالي.. يساري.. وسطي.. ما بعد ايديولوجي، فيما المال السياسي الذي أستغل الفراغ السياسي وبعد السياسة عن الناس وطغى بعد ذلكوقضى على المشهد السياسي لم يجدي ولم يستطع القيام بدور المُسكن السياسي لآلام الناس المعيشية، ولم يعد لدى “الموالاة” أي إنجازات أو مبررات لتتحدث عنها في ظل الضغوط المعيشية، ولم يعد أمام السياسي ألا الحديث عن معاناة الناس أو الصمت.
وهكذا في النهاية وبعد سنوات ها هي السياسة وقد نزلت لـ “أحوال الناس المعيشية” ولم تعد نخبوية، فأمام التراجع الشديد في أحوال الناس المعيشية انصهرت الايديولوجيات والاستقطابات والانقسامات والاختلافات، وأصبحت كل التوجهات تتحدث نفس اللغة السياسية وتتخذ نفس المواقف السياسية، حتى أصبح الصوت داخل المشهد السياسي صوتاً واحداً صوت “مُعارض” ولا صوت لـ “موالاة”، فالأكثرية العددية صامته والأقلية العددية هي الأقوى سياسيا.
فقد اُحتل الشأن والمجال العام بقضايا الإيجار القديم والإجراءات الجنائية وأزمة المعاشات والحد الأدنى للأجور وأقساط وفوائد الديون والتمويل الاستهلاكي، وقضايا ارتفاع أسعار السكن والغذاء والدواء والكهرباء والغاز والمياة والوقود والمواصلات، وقضايا التعليم والصحة وتأثير نزيف هجرة الكفاءات على جودة الخدمات، وقضايا أوضاع المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق وحوادثها وغيرها من المؤسسات الخدمية، وغير ذلك من القضايا الأساسية ذات الصلة المباشرة بأحوال الناس المعيشية.
ففي الساحات السياسية لا صوت يعلو فوق صوت أحوال الناس المعيشية، التي بدأت عالميا في التراجع بشدة في أعقاب الأزمة الاقتصادية، وتسببت في صعود التوجهات الشعبوية واليسارية والتقدمية، وفي إسقاط الحكومات في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وغيرها من الديموقراطيات، وفي اندلاع احتجاجات في سريلانكا وبنجلاديش ونيبال واندونيسيا والفلبين والمغرب وتونس والهند، وأصبح العنوان السياسي الأوحد لأي حملات انتخابية أو برامج حكومية أو معارضة برلمانية أو مطالب شعبية هو “تكلُفة المعيشة”.
وهنا ينبغي أن لا ننسى أنه قبل ذلك كله من الذي أشعل ثورات الربيع العربي؟ ألم يكن الـ بوعزيزي؟ ذلك الشاب التونسي الذي أشعل النار في نفسه بسبب أحواله المعيشية.
إنها إذن أحوال الناس المعيشية.. فمن هنا تبدأ السياسة -وحمداً لله على عودة السياسة لأحوال الناس المعيشية- فكما يتحدث أهل الاقتصاد عن “الاقتصاد الحقيقي” الذي يشعر به الناس اليوم بعيداً عن المؤشرات والأرقام الاقتصادية، فهكذا حال السياسة الحقيقية الملاصقة لأحوال الناس المعيشية بعيداً عن القضايا النخبوية والمصالح الشخصية والحزبية الضيقة والشعارات الغير واقعية والغير عملية والسياسات التي لا تؤدي إلى تحسين أحوال الناس المعيشية.
فالإنحازات السياسية الحقيقية إنما تتمثل في تحسين أحوال الناس المعيشية، ولذلك فإن أعظم ما توصف به التجربة الصينية أنها استطاعت أن تخرج ملايين المواطنين من تحت خط الفقر والصعود بهم لرحابة ورفاهة مساحات الطبقات المتوسطة، فأحوال الناس المعيشية هي هدف كل التوجهات السياسية وهي معيار نجاح أو إخفاق الأحزاب والسياسات والحكومات وهي التي تدور في فلكها المنظومة الإنتخابية، فبرامج الحملات الإنتخابية إنما هي وعود وتعهدات بتحسين أحوال الناس المعيشية التي على أساسها تمنح الأصوات الإنتخابية أو تمنع في الاستحقاقات التالية إذا لم تتحقق التعهدات.
إن أهم ما تمثله عودة السياسة لأحوال الناس المعيشية أنها فرصة ذهبية لظهور قيادات سياسية شعبية تشعر بالناس ويشعر الناس أنهم منهم ويشعرون بهم ويمثلونهم، فالقيادات السياسية لا تُصنع في الغرف المغلقة ولا في الصوب، هكذا علمنا تاريخ مسيرة الحركة الوطنية المصرية، بعدما وجدنا أثناء ثورة 25 يناير المجيدة أن الحراك الوطني بلا قادة، وأن غياب القيادات السياسية يعود لما بعد الضباط الأحرار ونصر أكتوبر المجيد، فآخر عهدنا بالرموز السياسية الوطنية كان وقت فؤاد سراج الدين وخالد محيي الدين أي من نصف قرن، ثم وجدنا أنفسنا وقد أصبحنا أمام “جيل زد” المليوني، الذيباتت الكرة السياسية في ملعبه، والذي تحرك سياسياً بالفعل في العديد من الدول كان آخرها المغرب والهند.
هذا الجيل السياسي الجديد له في أعناقنا أمانة وله علينا حق أن يعي ويدركعظمة المسيرة السياسية للحركة الوطنية المصرية التي صنعت رموز مصر السياسية من عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول والنحاس والضباط الأحراروغيرهم من قادة سياسيين عظماء انطلقوا من الواقع المصري وآلام الشعب سعياً لتحقيق آماله وطموحاته، فلابد من ردم هذه الفجوة السياسية بين هذا الجيل والحركة الوطنية المصرية، فهذا الجيل الفريد سيتحمل المسئولية في ظل عالم مختلف آخذ في التبلور بتحدياته الوجودية غير المسبوقة، ولذلك فإنه في أمس الحاجة لهذه الأرضية الوطنية الصلبة وللقوة الشعبية إلى جانب الأدوات العصرية كي يوفر له الإعداد الحقيقي الذي تتطلبه مواجهة التحديات التي تواجه الدولة المصرية.





















