دعونا نخلع الأوهام من البداية.
لا أحد في القاهرة يبحث عن حرب،
ولا أحد في تل أبيب يريدها علنًا.
لكن التاريخ لا يبدأ دائمًا بقرار…
أحيانًا يبدأ بـ استفزاز محسوب،
أو وكيل منفلت،
أو رسالة نار تُختبر بها الأعصاب.
السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع مواجهة؟
بل: ماذا لو فُرضت؟
ومن يملك النفس الأطول حين تتحول الحرب إلى استنزاف؟
⸻
أولًا: ميزان القوة… بعيدًا عن الضجيج
إسرائيل تملك تفوقًا نوعيًا في التكنولوجيا، والاستخبارات، وسلاح الجو.
هذا واقع لا ينكره عاقل.
لكن التفوق النوعي لا يعمل في الفراغ.
مصر تملك ما تخشاه إسرائيل فعلًا:
الكمّ، الجغرافيا، والقدرة على امتصاص الصدمة ثم الرد.
• جيش مصري مُصمَّم لحروب الجيوش، لا لحروب العصابات فقط.
• قوة بشرية تتجاوز 450 ألف جندي عامل، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات الاحتياط.
• عمق استراتيجي بشري وجغرافي لا يُقارن بدولة ضيقة المساحة ومحدودة المناورة.
• تنويع مصادر التسليح بما يمنع شلل القرار العسكري وقت الأزمات.
• عقيدة قتالية دفاعية–هجومية: لا تبدأ… لكنها لا تُنهك سريعًا.
إسرائيل تُجيد الحسم السريع،
لكنها بُنيت على فكرة الحرب القصيرة،
وتتوجس من أي صراع لا يمكن إنهاؤه بضربة واحدة.
⸻
ثانيًا: حرب قصيرة أم استنزاف طويل؟
لو فُرض سيناريو مواجهة مباشرة، فإسرائيل ستسعى فورًا إلى ثلاثة أهداف:
1. ضربة جوية خاطفة
2. شل مراكز القيادة والتحكم
3. فرض سقف زمني سياسي يمنع اتساع الجبهة
لكن المشكلة الجوهرية أن مصر ليست غزة، ولا جنوب لبنان.
أي مواجهة مع مصر لا يمكن حسمها في أيام.
ومع دخول الأسبوع الأول، يظهر عنصر لا تحبه إسرائيل: الزمن.
• الاقتصاد الإسرائيلي شديد الحساسية للتعبئة الطويلة
• المجتمع الإسرائيلي سريع التململ تحت الضغط المستمر
• الجيش يعتمد بكثافة على قوات الاحتياط
• الجبهة الداخلية هي نقطة الضغط الأخطر والأضعف
إسرائيل دولة تعيش دائمًا على حافة الطوارئ.
أي حرب تتجاوز الأسابيع تُكلّفها مليارات الدولارات،
وتعطّل قطاعات التكنولوجيا، والطيران، والسياحة،
وتُربك ثقة المستثمرين وتدفع آلاف العائلات إلى الملاجئ أو الهجرة المؤقتة.
بينما مصر، تاريخيًا، تعرف معنى الحرب الطويلة،
وتعرف كيف تُدار نفسيًا قبل أن تُدار عسكريًا.
⸻
ثالثًا: الشعب… السلاح الذي لا يُقاس بالأرقام
هنا الفارق الأخطر.
الشعب المصري قد يختلف،
قد يغضب،
قد ينتقد،
لكن حين يتعلق الأمر بالحدود والسيادة
تسقط كل الخلافات فجأة.
التجربة تقول إن المصري قد يحتمل الضيق،
لكنه لا يحتمل الإهانة السيادية.
وحين تتحول المعركة إلى دفاع عن الأرض،
لا تُدار فقط من غرف العمليات،
بل من الوعي الجمعي،
وهو عنصر لا تملكه إسرائيل ولا تستطيع قياسه أو السيطرة عليه.
إسرائيل تعرف هذا جيدًا.
تعرف أن:
• أي عبث مباشر سيحوّل المعركة من قرار دولة إلى قضية شعب
• وأن المصري في حرب الاستنزاف لا يسأل: هتكسب إمتى؟
بل يسأل: هتخلص إزاي؟
وهذا تحديدًا ما يُرعب مراكز التقدير في تل أبيب.
⸻
رابعًا: سيناريو الوكلاء… اللعب بالنار من بعيد
الأخطر من المواجهة المباشرة هو سيناريو الوكلاء:
• فوضى حدود
• مليشيات بأسماء متعددة
• عمليات اختبار رد الفعل
• رسائل نارية غير موقعة
لكن هذه اللعبة لها سقف.
لأن مصر حين تقتنع أن العبث لم يعد صدفة،
وأن الخيط ينتهي في تل أبيب،
ساعتها تتغير قواعد الاشتباك بالكامل.
والرسالة تكون واضحة وبلا خطابات:
الوكيل لن يحمي الأصل.
⸻
خامسًا: البحر والدفاع الجوي… حيث ما خفي كان أعظم
بعيدًا عن العناوين الصاخبة،
تدرك إسرائيل أن أخطر ما في القوة المصرية ليس المعلن… بل غير المعلن.
في البحر،
لم تعد مصر مجرد دولة ساحلية،
بل لاعبًا يملك القدرة على تأمين خطوطه، وتهديد خطوط غيره،
من المتوسط إلى البحر الأحمر،
في مسرح عمليات واسع لا يسمح بالمغامرة أو المفاجآت السهلة.
أما في السماء،
فالقضية لم تعد عدد الطائرات فقط،
بل شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات،
تُصعّب فكرة الضربة النظيفة،
وترفع كلفة أي اختراق،
وتحوّل التفوق الجوي من ميزة مطلقة
إلى مغامرة محسوبة الخسائر.
وهنا تحديدًا تكمن العقدة الإسرائيلية:
أن ما تراه في الصور والبيانات
ليس بالضرورة كل ما هو موجود على الأرض.
ما خفي كان… ولا يزال… أعظم.
⸻
سادسًا: لماذا لا تريد إسرائيل هذه الحرب؟
لأنها تعلم أن:
• نصرها – إن حدث – لن يكون نظيفًا
• خسائرها ستكون مرئية ومُكلفة نفسيًا
• صورتها الدولية المتآكلة ستنهار أكثر
• جبهتها الداخلية لا تحتمل استنزافًا مفتوحًا
• وأي خطأ واحد قد يفتح أكثر من جبهة في وقت واحد
إسرائيل تُجيد الضرب،
لكنها لا تُجيد النزيف الطويل.
وهي تتذكر جيدًا أن أطول حرب خاضتها
لم تكن 1967 ولا 1973،
بل حرب الاستنزاف…
حين لم تُهزم عسكريًا،
لكنها نُهِكت نفسيًا وسياسيًا،
واضطرت للقبول بقواعد لم تكن تريدها.
⸻
الخلاصة: الردع ليس صراخًا
مصر لا تلوّح بالحرب،
ولا تبيع أوهامًا،
ولا تُزايد.
لكنها تقول ما يكفي دون كلام:
الحدود خط أحمر… واللعب عندها ليس تجربة.
ومن يقرأ التاريخ جيدًا،
يعرف أن أخطر لحظة هي حين يظن العدو
أن الصمت ضعف…
ثم يكتشف متأخرًا
أنه كان تقديرًا للحظة المناسبة فقط.

















