لم تفشل إسرائيل في كسر الضفة الغربية لأنها لم تمتلك القوة.
فشلت لأنها امتلكت قوة بلا فهم، وسلاحًا بلا بوصلة، ونبوءة أعمَت السياسة بدل أن تهديها.
جرّبت كل شيء:
الاقتحام، الاغتيال، الاعتقال، الحصار، التجويع، الاستيطان، تغيير الخرائط، تغيير الأسماء، تغيير الوجوه…
لكن شيئًا واحدًا استعصى عليها:
كسر الإنسان.
وهنا يبدأ الفشل الحقيقي.
⸻
دولة نووية “عاجزة”!
السخرية القاتلة في التجربة الإسرائيلية أن دولة تمتلك:
• واحدًا من أقوى الجيوش في العالم
• دعمًا سياسيًا وعسكريًا غير مشروط
• تفوقًا استخباراتيًا وتكنولوجيًا
تعجز، منذ عقود، عن إخضاع مدن وقرى بلا دبابات ولا طائرات.
هذا ليس فشلًا أمنيًا.
هذا إخفاق وجودي.
كل اقتحام يُفترض أنه “استعادة للسيطرة”،
يتحول إلى إعلان جديد بأن السيطرة وهم.
⸻
البحث عن “تحقيق نبوءة”
من الخطأ القاتل قراءة ما يجري في الضفة والقدس كصراع حدود أو “إجراءات ردع”.
ما يحدث هو تنفيذ عقيدة دينية–سياسية ترى الأرض نصًا مقدسًا، لا وطنًا لشعب.
اليمين الإسرائيلي المتطرف لا يعترف بمصطلح “الضفة الغربية”.
هو يتحدث عن:
• “يهودا والسامرة”
• “جبل الهيكل”
• “تحرير الأرض”
هنا تتحول السياسة إلى طقس ديني،
ويتحول الاحتلال إلى “واجب إلهي”.
لكن أخطر ما في هذه العقيدة أنها لا ترى الواقع…
بل ترى ما تريد تصديقه فقط.
⸻
حين تُصبح النبوءة عدوة الدولة
النبوءة، كما يتعامل معها اليمين المتشدد، لم تعد وعدًا…
بل صارت قيدًا.
كلما تمسكت إسرائيل بنصوص الحاخامات:
• فقدت قدرتها على قراءة المجتمع الفلسطيني
• فشلت في فهم أن القهر لا يُنتج استسلامًا
• عجزت عن إدراك أن الهوية لا تُمحى بالقوة
وهكذا، بدل أن تقود النبوءة إلى “الخلاص”،
قادت الدولة إلى عمى سياسي مزمن.
⸻
تهويد المقدسات.. معركة الوعي لا الحجر
في القدس، لا تُدار المعركة على المباني فقط،
بل على الرموز والمعاني.
الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ليست دينية بقدر ما هي سياسية.
فرض التقسيم الزماني والمكاني ليس إجراءً تنظيميًا…
بل تدريب للوعي على قبول ما سيأتي لاحقًا.
حين يقول بن غفير إن “لليهود حقًا حصريًا في جبل الهيكل”،
فهو لا يستفز الفلسطيني فقط،
بل يُعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي إلى صراع وجودي ديني.
وهذا أخطر ما يمكن أن تفعله دولة تدّعي العقلانية.
⸻
الذاكرة لا تُقصف !
إسرائيل تغيّر الأسماء لأنها تعرف أن الاسم آخر خطوط الدفاع.
الخليل تصبح “كريات أربع”،
نابلس “شكيم”،
القدس “العاصمة الأبدية”.
لكن المفارقة القاسية:
أن كل اسم تُلغيه من الخرائط،
يترسخ أكثر في الوعي الفلسطيني.
من لا يستطيع محو الاسم،
لن يستطيع محو صاحبه.
⸻
هدم الرواية
في إحدى قرى الضفة، يقف طفل أمام بيت يُهدم.
لا يبكي.
لا يصرخ.
يسأل فقط:
“هتكتبوا اسم القرية إيه بعد كده؟”
هذا السؤال البسيط
يفضح المشروع كله.
لأن من يسأل عن الاسم،
يعرف أن المكان باقٍ… مهما تغيّرت اللافتات.
⸻
مشروع توسعي ؟!
نتنياهو لا يدير دولة مؤسسات،
بل يُدير تحالفًا عقائديًا يخاف من الواقع.
سموتريتش يقول إن “الشعب الفلسطيني اختراع”.
وبن غفير يتحدث عن فرض السيادة بالقوة.
هذه ليست تصريحات عابرة،
بل منطق حاكم.
لكن الخطير أن هذا المنطق:
• لا يعرف أين يتوقف
• ولا يعترف بالفشل
• ولا يملك خطة خروج
وهكذا، تتحول “إسرائيل الكبرى” من حلم توسعي
إلى عبء استراتيجي ينهك الدولة من الداخل.
⸻
فشل كسر الضفة الغربية؟!
لأن الضفة ليست ساحة عسكرية،
بل ذاكرة تمشي على قدمين.
لأن كل بيت يحمل اسمًا،
وكل قرية تحفظ حكايتها،
وكل جيل يولد وهو يعرف ما خسره… ولماذا.
إسرائيل تستطيع أن تهدم،
لكنها لا تستطيع أن تُقنع.
⸻
الخوف الحقيقي
إسرائيل لا تخاف من سلاح الضفة.
ولا من حجارتها.
ولا حتى من مقاومتها.
الخوف الحقيقي هو هذا السؤال الصامت:
كيف لدولة بكل هذه القوة
أن تفشل في جعل الأرض التي تحتلها تشبهها؟
هنا، بالضبط،
تنهار النبوءة…
ويبدأ القلق.
ربما المشكلة الحقيقية لإسرائيل ليست أن الضفة تقاوم…
بل أن الضفة تذكّرها كل يوم بأن القوة لا تصنع حقًا،
وأن النبوءة حين تُفرض بالسلاح
تتحول من وعدٍ بالخلاص
إلى اعترافٍ دائم بالخوف.
وائل الغول
باحث في الشؤون الإسرائيلية





















