منذ عرض مسلسل “أصحاب الأرض”، صاحب العمل الدرامي حالة من الجدل.. لم تكن فنية لكن سياسية وتاريخية بامتياز.
العمل يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع العربي الإسرائيلي.. ويطرح التساؤلات حول ” الحقوق الشرعية التاريخية”.. ومن يملك السردية الأولى على أرض فلسطين.
لقطات مفصلية
المسلسل يفتتح بعدة مشاهد تُظهر الحياة في فلسطين القديمة قبل العصور التوراتية.. لترسيخ فكرة أن الأرض عرفت شعوبا متعددة قبل بني إسرائيل.
العمل يؤكد أن الفلسطينيين هم الامتداد التاريخي للسكان الذين عاشوا على الأرض عبر آلاف السنين، وليسوا مجرد وجود طارئ أو حديث.
العمل يقدم قراءة تاريخيّة متصلة تربط القديم بالحديث.. الانتداب البريطاني.. قيام دولة إسرائيل.. لحظات التهجير القسري عام 1948.
المسلسل يتناول الرواية الدينية التوراتية بوصفها “إحدى الروايات،.. وليس الرواية الوحيدة”.. وهو طرح يصطدم مباشرة بالسردية الإسرائيلية الرسمية.
التحول من الرواية الإسرائيلية التي يتم تقديمها على أنها “الحقيقة المطلقة” إلى “السردية القابلة للنقاش” هو جوهر التوتر لدى إسرائيل.
من سكن الأرض قبل بني إسرائيل؟
تاريخيا، فالمنطقة المعروفة اليوم بفلسطين شهدت وجودا بشريا متواصلا منذ العصر الحجري.
قبل ظهور ممالك بني إسرائيل في حوالي القرن 11 قبل الميلاد، عاشت في المنطقة شعوب سامية متعددة، أبرزها:
• الكنعانيون
• اليبوسيون (في القدس)
• الفلستيون
• شعوب العماليق
التوراة نفسها لا تقول إن الأرض كانت خالية.. وتعترف بوجود شعوب مستقرة قبل بني إسرائيل.
والصراع الموصوف في النصوص التوراتية هو صراع على أرض مأهولة.. وليس استيطان ل”أرض بلا شعب”.. كما تروج إسرائيل.
سفر التكوين :”وعبر أبرام في الأرض إلى مكان شكيم… وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض”.
وهنا النصوص التوراتية نفسها تؤكد تواجد الكنعانيون في الأرض قبل بني إسرائيل.
سفر الخروج :”فأتى عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم”.
سفر التثنية: “اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق…”.
في النص التوراتي يظهر العماليق كشعب منظم يخوض حربا ضد بني إسرائيل، ما يدل على وجود سياسي أو قبلي سابق ومستقل.
سفر يشوع: “وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا أن يطردوهم…”.
النص التوراتي يؤكد أن اليبوسيون كانوا سكان القدس قبل أن يستولي عليها داود لاحقًا.
سفر التكوين: “لنسلك أعطي هذه الأرض… أرض القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين”.
سفر التثنية:”متى أتى بك الرب إلى الأرض… وطرد أممًا كثيرة من أمامك: الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع أمم أكثر وأعظم منك…”.
وهنا النص التوراتي يشير إلى قائمة طويلة من الشعوب التي كانت تسكن الأرض قبل قيام ممالك بني إسرائيل، وهو اعتراف نصي بتعدد السكان الأصليين.
والنص يقر بوضوح أن بني إسرائيل دخلوا أرضا تسكنها أمم “أكثر وأعظم”.
لماذا انزعجت إسرائيل من المسلسل؟
تاريخيا ودينيا، فالمنطقة لم تكن أرضا بلا شعب.. وتعاقبت عليها حضارات مختلفة.. لكن الهوية الإسرائيلية الحديثة تستند جزئيا إلى سردية “العودة إلى أرض الميعاد”.
وبالتالي فأي عمل يعيد ترتيب التسلسل التاريخي أو يضع الوجود اليهودي في سياق “تعددي لا حصري.. تعتبره إسرائيل “تهديدا” حتى لو كان رمزيا.
وتقديم الأرض باعتبارها موطنا لشعوب متعددة عبر التاريخ، لا ملكية حصرية لجماعة واحدة.. يُضعف فكرة “الحق التاريخي المطلق” الذي تتبناه التيارات الدينية في إسرائيل.
تفكيك السردية الإسرائيلية!
جاء صعود التيارات الدينية اليمينية المتطرفة في إسرائيل، ليعزز خطابا يقوم على قراءة توراتية حصرية للأرض.
هذا الصعود انعكس على الخطاب الرسمي..وباتت مفردات مثل “الحق التاريخي” و“أرض الميعاد” حاضرة بقوة في تصريحات سياسية وتشريعات مرتبطة بالاستيطان.
ومع تحول هذا الخطاب إلى جزء من السردية السياسية الرسمية.. فأي عمل يطرح “رواية تاريخية تعددية” يصبح موضع توتر لأنه يمثل “خطابا مضادا” يمس جوهر الرؤية الأيديولوجية المتطرفة.
“أصحاب الأرض” لم يزعج إسرائيل لأنه عمل درامي فقط.. بل لأنه يقترب من أخطر منطقة في الصراع “شرعية السردية التاريخية”.
العمل لا ينفي وجود اليهود تاريخيا، لكنه يرفض احتكار التاريخ.. وهنا يكمن جوهر الغضب الإسرائيلي.
وإذا كانت الدراما قادرة على إرباك سردية سياسية راسخة منذ عقود، فهل تكمن المشكلة في العمل الفني… أم في هشاشة الرواية التي يخشى أصحابها إخضاعها للنقاش؟!
















