داخل إسرائيل لم يعد السؤال: هل سيغادر بنيامين نتنياهو السلطة؟
السؤال الحقيقيِ: إلى أي مدى يمكن أن يذهب حتى لا يغادرها؟
نتنياهو شغل المنصب لأكثر من 16 عاما متقطعة منذ 1996، بينها فترة متواصلة امتدت من 2009 حتى 2021 قبل أن يعود مجددا إلى الحكم.
رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأطول بقاء في المنصب بتاريخ الدولة، يواجه لحظة مركبة:
حرب مفتوحة الجبهات
محاكمة جنائية
انقسام داخلي غير مسبوق
ضغوط دولية متصاعدة
ومع ذلك.. الرجل لا يتراجع لكنه يتصرف كما لو أن البقاء في الحكم مسألة وجودية.. فلماذا يتشبث نتنياهو بالسلطة؟
….
المفارقة الأخلاقية
في يوليو عام 2008، طالب نتنياهو رئيس الوزراء آنذاك، إيهود أولمرت، بالاستقالة بسبب تحقيقات الشرطة.
وقتها قال نتانياهو بوضوح إن رئيس حكومة غارق في التحقيقات لا يملك التفويض الأخلاقي لاتخاذ قرارات مصيرية.
اليوم، يقف نتنياهو نفسه متهما في قضايا رشوة واحتيال وخيانة أمانة.. ويخوض محاكمة ممتدة منذ سنوات.
لكن ما كان معيارا أخلاقيا ملزما للآخرين، لم يعد كذلك بالنسبة له… وهذه ليست فقط مفارقة سياسية، بل لحظة كاشفة لتحول نفسي أعمق.
حين كان خارج السلطة، تحدث بمنطق “نقاء المنصب”.. وحين أصبح في سدة الحكم.. تغيرت القواعد.
..
المحاكمة… البعد الشخصي للمعركة
محاكمة نتانياهو التي بدأت جلساتها في مايو 2020، ما تزال مستمرة بعد سنوات دون حسم نهائي
ووجوده في الحكم يمنحه نفوذا سياسيا.. قدرة على التأثير في الأجندة التشريعية…لكن المسألة تتجاوز الحسابات القانونية.
الخروج من المنصب يعني تحوله من “رئيس حكومة يقاتل من أجل الدولة” إلى “متهم يمثل أمام المحكمة”.
بالنسبة لزعيم بنى صورته على السيطرة والقوة، هذا انتقال نفسي حاد.
….
معركة القضاء!
محاولة إعادة هيكلة النظام القضائي لم تكن خطوة تقنية.. لكنها معركة على ميزان القوى داخل الدولة.
بالنسبة لنتنياهو، الصراع مع القضاء لم يعد مؤسسيا فحسب.. بل شخصيًا.
نتنياهو يرى نفسه في مواجهة “نخبة قضائية” تعرقل مشروعه.. والتراجع الآن يعني اعترافا ضمنيا بالخطأ.
أما الاستمرار، فيحافظ على رواية أنه يقود إصلاحا تاريخيا ضد مؤسسة متصلبة.
…..
معضلة 7 أكتوبر
هجوم 7 أكتوبر يمثل أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث.
لجنة تحقيق مستقلة قد تطرح سؤال المسؤولية السياسية بشكل مباشر.
لكن طالما استمرت الحرب أو بقيت البلاد في حالة طوارئ ممتدة.. يمكن تأجيل هذا الاستحقاق.
مغادرة نتنياهو الحكم تعني فتح الملفات كاملة.. وهنا يصبح البقاء في السلطة أداة للتحكم في تغييب الحقيقة.
….
عقلية الزعيم التاريخي
لفهم التشبث، لا يكفي التحليل القانوني أو الانتخابي.. فهناك بعد نفسي واضح تشكل عبر عقود.
*عقلية المواجهة
نتنياهو يميل إلى تقديم نفسه في مواجهة دائمة مع خصوم داخليين وخارجيين:
الإعلام
القضاء
المعارضة
الأجهزة الأمنية
هذا الإطار يعزز شعورا بأن المعركة وجودية، وأن التراجع يساوي السقوط.
*مركزية السيطرة
على مدار سنوات حكمه الطويلة.. عزز نمطا قائما على إحكام القبضة وتقليص دوائر الثقة.
ورجل مثل نتنياهو اعتاد إدارة كل الخيوط يجد صعوبة في تخيّل نظام يعمل بدونه.
*هوس الشخصية التاريخية
نتنياهو يرى نفسه حارسا لأمن إسرائيل في مواجهة إيران ومحور خصومها.
حين يصل الرجل إلى قناعة بأنه “الضامن الوحيد”، يصبح التخلي عن المنصب في وعيه أقرب إلى تخلي عن المهمة الوطنية.
*النفور من الاعتراف بالخطأ
في الأزمات الكبرى، من الاحتجاجات ضد التعديلات القضائية إلى تداعيات 7 أكتوبر.. كان الاعتراف المباشر بالمسؤولية محدودا.
هذا النمط يعكس شخصية تربط صورتها بالقوة وعدم الانكسار.
*زعيم بلا بديل
بعد أكثر من عقد ونصف في الحكم، لم يعد نتنياهو مجرد رئيس حكومة، بل أصبح عند أنصاره “ضمانة أمنية” و”عنوان الدولة”.
كلما طال البقاء.. أصبح الرحيل أصعب.. وكلما تعمقت الأزمات.. بدا الخروج كأنه اعتراف بالمسؤولية.
وجميعها عوامل نفسية جعلت الرجل لا يستطيع أن يتصور إسرائيل من دونه.
……
ماذا عن الحسابات الانتخابية؟
رغم تراجع شعبيته، لا يزال نتنياهو لاعبا انتخابيا شرسا.
نتنياهو يعرف كيف يحول أي استحقاق إلى استفتاء وجودي:
اليمين ضد اليسار
الأمن ضد الفوضى
“الدولة العميقة” ضد إرادة الشعب
بالنسبة له، الانتخابات ليست نهاية الطريق… بل جولة أخرى في معركة مستمرة.
دولة الرجل الواحد؟!
نتنياهو لا يتشبث بالسلطة فقط لحماية نفسه من المحاكمة.. ولا فقط لتجنب لجنة تحقيق.. ولا فقط للحفاظ على مشروعه السياسي.. لكنه لا يتخيل إسرائيل بدونه.
المفارقة أن الرجل الذي طالب أولمرت بالاستقالة باسم الأخلاق السياسية.. يجد نفسه اليوم في اختبار أخلاقي مشابه.
لكن نتنياهو نسي أو تناسى أن “التاريخ لا يُسقط القادة حين يخطئون… بل حين يرفضون الاعتراف بالخطأ”.
والمسألة لم تعد تتعلق بشخص نتنياهو فقط.. بل بطبيعة النظام السياسي الذي يسمح بتحول البقاء في الحكم إلى معركة شخصية مفتوحة.
ومن هنا يأتي السؤال: ماذا يحدث للديمقراطية الإسرائيلية المزعومة عندما يتحول البقاء في الحكم من خيار سياسي إلى ضرورة نفسية؟ وهل 2026 عام الحسم الذي سيحدد مصير الديمقراطية الإسرائيلية؟
والسؤال الأبرز حاليا هو :هل يستطيع زعيم حكم طويلا أن يقتنع يوما بأن الدولة يمكن أن تستمر من دونه؟ وماذا سيفعل حتى يضمن الاستمرار في الحكم؟





















