ليس سؤالًا صحفيًا.. ولا نكاية عاطفية.. ولا محاولة للتهوين من حرب جعلت غزة ركامًا ودمارًا وخرابًا.
السؤال مطروح الآن داخل غرف مُغلقة في تل أبيب، وفي لجان جلسات الاستماع في واشنطن، وفي تقارير أجهزة لا تظهر شاشاتها للإعلام.
ومثل كل الأسئلة الثقيلة.. الإجابة ليست بنعم أو لا.
هل يمكن قتل “الفكرة”؟!
في بداية الحرب، قدم نتنياهو الهدف على طبق من النار:
“تدمير حماس عسكريًا وأيديولوجيًا”.
دبابات، قوات خاصة، طائرات، عمليات إنزال، تدمير أحياء كاملة، ثم دخول رفح وخان يونس والشمال أكثر من مرة.
كل شيء تم كما لو أن الجغرافيا يمكن أن تُعاد هندستها بالمدفع فقط.
وبعد كل “سيطرة كاملة” كان القتال يعود من جديد.. من نفس الأنفاق التي ظنوا أنهم أغلقوها، ومن نفس البيوت التي أعلنوا نسفها.
القوة يمكنها أن تفتح طريقًا.. لكن الفكرة وحدها من تبقى حتى بعد تنظيف الطريق نفسه من الأحياء.
ماذا حدث؟!
قبل الحرب، كانت تقديرات المقاتلين في أجنحة حماس المختلفة تدور بين 25 إلى 30 ألف مقاتل.
بعد عامين من الحرب والقصف والاغتيالات وقطع الأحياء.. خرجت تقديرات إسرائيلية حديثة تقول إن حماس والجهاد وباقي الفصائل لديهم اليوم ما بين 20 و23 ألف مقاتل نشط في غزة.
رقم ليس ثانويًا.. ولا يليق بعبارة “التدمير الكامل”.
وفي الحرب، الأرقام ليست مجرد كمية.. بل دليل على أن فكرة القتال لم تُقتل.
من مات؟.. ومن نجا؟
نعم، قُتل آلاف من المقاتلين، ونعم، تم استهداف قيادات وكوادر ومسؤولين ميدانيين، وبعض الأسماء كانت أثقل من رتبها.
لكن المدهش لم يكن في عدد من ماتوا.. بل في الطبقة التي ظهرت بعدها.
في التنظيمات الأيديولوجية، الفراغ لا يعيش طويلًا. المكان يُملأ دائمًا.. حتى لو كره الأعداء ذلك.
الشباب أصبح سلاحًا!
السردية التي لم تُقرأ جيدًا في الحرب هي هذه:
لم تعد المقاومة في غزة “حركة” فقط، ولا “جناحًا مسلحًا”،
ولا “قيادة سياسية”. تحولت إلى خبرة اجتماعية.
كل طفل رأى البيت يهوي أمامه، وكل شاب حمل أخاه على كتفه، وكل امرأة وقفت أمام المستشفى بلا اسم للشهيد…
تحولوا — دون تنظيم رسمي — إلى مشروع مقاوم جاهز حين يحتاج الزمن.
هذا النوع من المقاومة لا تدمره الطائرات.. بل تصنعه الطائرات صدفةً دون وعي.
انهيار استراتيجي؟!
سقط الهدف الإسرائيلي الأول (تدمير القوة العسكرية)،ثم سقط الثاني (إنهاء الحكم)، ثم انقلب الثالث (قتل الفكرة).
والخطأ الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل أنها لم تفهم أن الحروب الأيديولوجية لا تُكسب بالقتل.. بل تُخسر بالزمن.
ما بعد حماس؟!
الآن تجلس أجهزة البحث والتقييم أمام سؤال مخيف:
إذا لم تختفِ حماس .. وإذا لم تمت الفكرة.. وإذا لم ينتهِ التنظيم.. فما الذي سيأتي بعدها؟
إسرائيل تخاف من شيء واحد أكثر من “استمرار حماس”:
وهو ” ما بعد حماس”.
مقاومة بلا سقف.. بلا مكتب سياسي.. بلا عنوان.. وبلا صورة موحدة.. هذا أسوأ كابوس يمكن أن تواجهه جيوش نظامية.
الوقت ضد القوة!
لو وضعنا الأطراف على طاولة واحدة تصبح المعادلة هكذا:
إسرائيل تملك القوة.
أميركا تملك المال.
العرب يملكون الجغرافيا.
وحماس — ومعها باقي الفصائل الفلسطينية — تملك الزمن والوقت.
والزمن هو السلاح الذي لا يعلوه ضجيج.. لكنه حين يتحرك.. يقلب الخرائط.
القاهرة في قلب المشهد
على الطرف الآخر من الحدود، تقف مصر بطريقة لا تحتاج إلى “استعراض”.
غزة بالنسبة للقاهرة ليست شحنة إنسانية ولا ملفًا إعلاميًا.. بل جزء من أمن قومي يبدأ من رفح ولا ينتهي عند السويس.
ولأن القاهرة ترى المشهد كاملًا — من الأنفاق إلى المتوسط ومن البحر الأحمر إلى باب المندب — فهي تعرف أن الحرب ليست نهاية.. بل مرحلة انتقال إلى توازن جديد لم تُكتب خرائطه بعد.
وفي كل مرة تسقط فيها غزة على ركبتيها، تظهر مصر ليس لإنقاذها فقط… بل لتذكير الجميع أن الجغرافيا لا يمكن تجاوزها بالبارود.
من الذي فشل؟
لم تنجح إسرائيل في تدمير حماس.. والأهم أنها لم تنجح في تدمير الحاجة إلى حماس.
والأفكار حين تولد من الخراب.. لا تموت أبدا ولا يمكن قتلها بسهولة.
هذه الحرب لم تنتهِ بوقف إطلاق نار.. بل بدأت سؤالًا جديدًا أكثر خطورة:
إذا لم تمت حماس.. فماذا سيولد بعدها؟
والتاريخ — كعادته — لا يجيب بسرعة.. حفظ الله مصر أرضا وشعبا وجيشا.





















