يشهد السوق العقاري المصري نقاشا واسعا حول مستقبل الأسعار، بعد تزايد التحذيرات من احتمالات تشكل فقاعة عقارية، في الوقت الذي يؤكد فيه خبراء آخرون أن السوق المحلية تستند إلى عوامل اقتصادية حقيقية تدعم استمرارها. وبين الرأيين، تتصدر قضية الوعي الاستثماري المشهد باعتبارها العنصر الأكثر تأثيرًا في قرارات الشراء خلال المرحلة الحالية.
الروايات قد تسبق الأرقام في تحريك السوق
قال الدكتور أحمد صقر، الرئيس التنفيذي لشركة SDC للاستثمار وإدارة الأصول العقارية، إن أخطر ما يميز الأسواق الحديثة أنها لم تعد تتحرك بمنطق الأرقام فقط، بل أصبحت تتحرك أيضًا بمنطق “الرواية”، موضحًا أن كل دورة اقتصادية كبرى تبدأ بقصة يصدقها الناس، ثم تتحول إلى قناعة جماعية تنعكس في النهاية على حركة الأسعار.
وأشار صقر، إلى أن فقاعات أسعار العقارات لا تصنعها المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما تبدأ من المعتقدات المجتمعية والرسائل المتداولة بين الأفراد، حيث تؤثر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وتجارب الآخرين في تشكيل قرارات المستثمرين، أحيانا بصورة تفوق تأثير التقارير الاقتصادية.
وأضاف الرئيس التنفيذي لشركة SDC للاستثمار وإدارة الأصول العقارية، أن الاقتصاد السلوكي يوضح أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، وإنما في طريقة تفسيرها، فعندما تتكرر عبارات مثل “العقار لا يخسر” أو “اشترِ اليوم لأن الأسعار لن تنخفض”، تتحول مع الوقت إلى قناعات راسخة تدفع الطلب إلى مستويات قد تتجاوز القيمة الحقيقية للأصول.
السوق المصرية.. أساسات قوية لكن الحذر مطلوب
وأكد صقر، أن السوق العقارية المصرية تختلف عن كثير من الأسواق التي شهدت فقاعات تاريخية، لارتكازها على طلب حقيقي تدعمه الزيادة السكانية، والتوسع العمراني، واستثمارات الدولة في البنية التحتية والمدن الجديدة، فضلًا عن الارتفاع الفعلي في تكاليف البناء والتطوير.
لكنه شدد الرئيس التنفيذي لشركة SDC للاستثمار وإدارة الأصول العقارية، في الوقت نفسه على أن قوة هذه الأساسيات لا تعني تجاهل تأثير السلوك الجماعي، مؤكدًا أن أي سوق قد يشهد اختلالات مؤقتة إذا أصبحت التوقعات منفصلة عن الواقع الاقتصادي، وهو ما يستدعي تعزيز ثقافة الاستثمار القائمة على التحليل ودراسة العائد والقيمة الحقيقية للأصل، وليس الانسياق وراء الضجة أو التوقعات.
كما لفت احمد، إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الأسعار، بعدما بات منشور أو مقطع فيديو قادرا على التأثير في آلاف القرارات الاستثمارية خلال وقت قصير، الأمر الذي يفرض مسؤولية أكبر على المطورين والمستشارين ووسائل الإعلام لتقديم محتوى مهني ومتوازن.
تحذير من نهاية دورة الفقاعة العقارية
وفي المقابل، حذر هاني توفيق الخبير الاقتصادي، من أن السوق العقاري وصل وفقًا لرؤيته إلى نهاية سلسلة الفقاعة العقارية، مشيرًا إلى أنه سبق أن طالب منذ سنوات بإنشاء هيئة تنظم العلاقة بين المطورين والمشترين، مع تطبيق نظام حساب الضمان (Escrow)، بحيث لا يتم صرف أموال العملاء إلا مقابل نسب التنفيذ الفعلية للمشروعات.
وأوضح توفيق عبر حسابه الشخصي على الفيس بوك، أن الفقاعة العقارية تمر بعدة مراحل تبدأ بإقبال واسع على شراء العقارات، ثم ارتفاعات متتالية في الأسعار، يعقبها ظهور ظاهرة “الأوفر برايس”، حيث يعيد بعض المشترين بيع الوحدات قبل سداد قيمتها بالكامل بهدف تحقيق أرباح سريعة، وهو ما يؤدي إلى اتساع المضاربات ودفع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها.
القرار الاستثماري بين القيمة والضجيج
ورغم اختلاف الرؤى بشأن طبيعة المرحلة الحالية، يتفق الخبراء على أن مستقبل السوق لن تحدده الشائعات أو المعتقدات المتداولة، وإنما ستحسمه المؤشرات الاقتصادية الحقيقية وجودة الأصول العقارية، ويبدو أن المرحلة المقبلة ستفرض على المستثمرين التركيز بصورة أكبر على دراسة القيمة الفعلية والعائد طويل الأجل، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة الارتفاعات السعرية السريعة أو الانطباعات المنتشرة عبر وسائل التواصل، في وقت تتجه فيه المنافسة داخل السوق نحو صناعة أصول تحقق قيمة مستدامة أكثر من مجرد تحقيق مكاسب سعرية مؤقتة.
اقرا ايضا: حين تتغير خريطة السكان.. كيف تعيد الهجرة الداخلية تشكيل السوق العقاري؟






















