تواجه مصر أزمة في نقص النقد الأجنبي منذ أكثر من عام، عقب موجة التضخم العالمية والحرب الروسية الأوكرانية اللتين تسببتا في خروج مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وارتفاع فاتورة الواردات من السلع الأساسية المستورد معظمها من الخارج.
وفي هذا الإطار حاول الرئيس السيسي، في تعليقه على حديث المشاركين بالمؤتمر الوطني للشباب بمحافظة الإسكندرية، الذي عٌقد نهاية الأسبوع الماضي، أن يبعث برسالة طمأنة للشعب من خلال تمسكه برفض تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، حتى لا يتسبب ذلك في زيادة سعر الدولار مرة أخرى بمستويات أعلى من الحالية. قال الرئيس :”كثير من الناس يطالبون بمرونة سعر الصرف ونحن مرنون فيه، لكن عندما يتعلق الموضوع بالأمن القومي وأن ذلك سيضيع الشعب المصري فلا مرونة”.
وخلال الشهور الماضية شهدت السوق السوداء للدولار حالة من التخبط عقب تقارير دولية، تؤكد انخفاض قيمة الجنيه، تزامن ذلك مع صدور تقريري بنك “ستاندرد تشارترد” البريطاني وبنك “كريدي سويس” السويسري، الذين توقعا تراجعًا للجنيه أمام العملات الأجنبية خلال الفترة المقبلة.
ارتباك السوق السوداء عاد مجددًا، بعد تصريحات الرئيس السيس.
وانخفض سعر الدولار في السوق السوداء في تعاملاته منذ مساء الأربعاء 15 يونيو 2023 بحسب متعاملين، وتراوح سعر الدولار في السوق السوداء ما بين 34 و 35 جنيهًا.
استقرار السوق السوداء
الدكتور إيهاب الدسوقي، الخبير الاقتصادي يقول إن حديث الرئيس حد كثيرًا من “التوقعات” المستقبلية لتحديد سعر الجنيه، توقع الكثيرون تحرير سعر الصرف. ولكن كلام الرئيس أوقف هذه التوقعات.
وأضاف “الدسوقي” في تصريح خاص لـ الحرية أن مشكلة السوق السوداء ستبقى قائمة، فنشاطها لا يتم قياسه فقط وفق التوقعات المستقبلية للسياسة النقدية أو وفقًا للتصريحات الحكومية، لكن وفق العرض والطلب.
وأكد الدسوقي أن مشكلة نقص المعروض من الدولارات مستمرة، هناك حاجة لزيادة الاستيرادات لأن معظم السلع التي نستخدمها تأتي من الخارج، ومع ضغط الاستيراد يزيد الطلب على الدولار مع انخفاض المعروض منه؛ وبذلك سوف يستمر الدولار للأسف في الارتفاع بالسوق السوداء. مؤكدًا:” انخفاضه عقب تصريحات الرئيس لم يدم ذلك طويلا”
وأكد الدسوقي أنه لا يوجد حل لاستقرار الجنيه، إلا من خلال تقليل الاستيراد وتعظيم الإنتاج المحلي، والأهم من ذلك هو زيادة الصادرات لجلب عملة أجنبية للسوق المصري.
تثبيت سعر الصرف أمر مستحيل
وأوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن الرئيس السيسي لا يملك تثبيت سعر صرف الجنيه. يوضح أن هناك اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، وهناك قرض وفق شروط وجود سعر صرف مرن للجنيه، وهذا أمر لا يمكن التراجع عنه.
وفي حديثه للحرية أضاف عبده أنه كان من ضمن الشروط تحقيق تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص؛ من خلال العمل على وقف الإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها شركات الدولة، وصولاً إلى ضمان أن تدفع هذه الشركات نفس أسعار الكهرباء والمياه المفروضة على الشركات الخاصة، وهذا يصعب تنفيذه على أرض الواقع.
تصريحات الرئيس لكسب الجماهير
وأكد الخبير الاقتصادي أن حديث الرئيس كان سياسيًّا بحتًا لكسب الجماهير، استعدادا للانتخابات الرئاسية القادمة.
وأردف أن السوق السوداء، شأنها شأن البورصة، تتأثر بالتصريحات، إما في تدميرها أو إحيائها، فهي عاكسة للأوضاع السياسية والاقتصادية في الدولة، ولكنه أكد أيضًا:” ربما يكون حديث الرئيس مبنيًّا على معلومات أو رؤية غير متاح عرضها على الجماهير أو خبراء الاقتصاد، ولكنها في النهاية خطوة سياسية جيدة تبعث بالأمل لدى الشعب من حيث استقرار الأوضاع المادية”.
واتفق عبده مع الدسوقي في أن انخفاض سعر الدولار في السوق السوداء لن يدوم طويلًا.
أمن قومي
وكان الرئيس السيسي قال في تعليقه على حديث المشاركين بالمؤتمر الوطني للشباب بمحافظة الإسكندرية:” نحن مرنون فيما يتعلق بسعر الصرف… لكن عندما يتعرض الموضوع لأمن مصر القومي، ويضيع الشعب المصري.. لا”.
وأضاف “بتكلم جد في الموضوع وبقوله أنا على الهواء، عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم، لا ما نقعدش في مكانّا، لا ما نقدرش”.
وتابع “حتى لو الكلام ده يتعارض مع.. حتى لو الكلام ده يتعارض مع..” ولم يتم عبارته، لكنها إشارة تبدو واضحة لالتزامات مصر مع صندوق النقد الدولي.
أكد السيسي على أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات في البلاد يرجع إلى خفض قيمة الجنيه في ظل اعتماد الطلب الاستهلاكي على الخامات والسلع المستوردة.
وقال السيسي أيضًا:” في الأعوام الماضية كنا نشتري من السوق -سندات دولارية- 3 أو 4 مليارات دولار، ونضعهم في البنك المركزي كي نحافظ على الاحتياطي؛ لتوفير طلبات 3 أو 4 أشهر، لكن ذلك تسبب في زيادة الديون، ولن نعيد الشراء مرة أخرى”.
ولم يبدأ الصندوق بعد مراجعة كانت مقررة في مارس الماضي، لمستوى التقدم الذي أحرزته مصر في تحقيق التزاماتها بموجب اتفاق ديسمبر للعام ٢٠٢٢.





















