لا أرى أن القضية هي مجرد تعيين أو عدم تعيين، وإنما هي سؤال أكبر يتعلق بفلسفة إدارة الموارد البشرية في الدولة.
فالدولة، عندما واجهت عجزًا حقيقيًا في أعداد المعلمين، استعانت بآلاف من معلمي الحصة، ووضعتهم داخل الفصول الدراسية، وأسندت إليهم مسؤولية بناء أجيال كاملة. وهذا في حد ذاته اعتراف ضمني بقدرتهم على أداء رسالة التعليم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت الدولة قد اطمأنت إلى هؤلاء المعلمين لسنوات، فلماذا لا تصبح تلك السنوات جزءًا من معيار التقييم عند التعيين؟
أنا لا أدعو إلى تعيين استثنائي أو تجاوز لمبدأ تكافؤ الفرص، فهذا المبدأ هو ضمانة العدالة للجميع.
لكن العدالة نفسها تقتضي ألا نقف على خط بداية واحد بين من مارس التدريس لسنوات، وتحمل مسؤولية الفصل، وتفاعل مع الطلاب، واكتسب خبرة حقيقية، وبين من لم يخض هذه التجربة مطلقًا.
الخبرة ليست رقمًا في السيرة الذاتية، بل هي معرفة تراكمية، واستثمار أنفقت عليه الدولة بالفعل. وإهدارها لا يمثل خسارة للفرد فقط، وإنما خسارة لمنظومة التعليم بأكملها.
كما أرى ضرورة إعادة النظر في طبيعة معايير الاختبارات. فمن الطبيعي أن يخضع المعلم لكشف طبي يثبت قدرته الصحية على أداء عمله، لكن ينبغي أن تكون أدوات التقييم مرتبطة بجوهر المهنة.
فالمعلم يُقاس بقدرته على إدارة الفصل، ونقل المعرفة، والتواصل مع الطلاب، والتعامل مع المواقف التربوية، وليس بقدرته على اجتياز اختبارات بدنية لا تعكس كفاءته التعليمية بشكل مباشر.
إن تقييم المعلم يجب أن ينطلق من فلسفة التعليم، لا من فلسفة الانتقاء لوظائف تختلف طبيعتها ومتطلباتها.
ومن هذا المنطلق، أتقدم باقتراح برغبة يقوم على عدة محاور:
إعادة احتساب سنوات العمل بالحصة ضمن عناصر المفاضلة في مسابقات التعيين، ومنحها وزنًا نسبيًا يعكس الخبرة الفعلية.
مراجعة معايير الاختبارات، بحيث يكون المعيار الأساسي هو الكفاءة التربوية والتعليمية، مع الاكتفاء باللياقة الطبية اللازمة لأداء الوظيفة.
استحداث برنامج تقييم وتأهيل مهني للعاملين بالحصة، يكون بوابة عادلة للاستقرار الوظيفي بدلًا من إهدار سنوات الخبرة.
وضع إطار قانوني واضح ينظم أوضاع معلمي الحصة، بما يحقق الاستقرار المهني ويحفظ حقوق الدولة وحقوق المعلم معًا.
إلزام وزارة التربية والتعليم بإعداد قاعدة بيانات دقيقة للعاملين بالحصة، وربطها بخطة سد العجز في المدارس، حتى تكون الأولوية دائمًا لمن أثبت كفاءته على أرض الواقع.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على وضع المعايير، وإنما بقدرتها على تقدير الخبرة، ووضع الحد الأدنى ماليًا للعيش حياة كريمة، وكذلك توفير الحماية الاجتماعية بكل أشكالها.
فالمعلم الذي وقف أمام الطلاب سنوات، وأسهم في سد عجز التعليم، لا يطلب امتيازًا استثنائيًا، وإنما يطلب أن تعترف الدولة بما قدمه، وأن تجعل الخبرة قيمة حقيقية داخل منظومة العدالة الوظيفية، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي بمجرد الإعلان عن مسابقة جديدة.


















