في الشرق الأوسط، تختلط السياسة بالنار، وتُكتب الخرائط بمداد الدم، تصبح “الهدنة” مجرد فاصلة بين جملتين من الصراع، لا نهايةً لمعناه.
ما نشهده اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة تقليدية تُقاس بنتائج فورية، أو تُختزل في مفهوم “منتصر” و”مهزوم”، بل نحن أمام نموذج أكثر تعقيدًا، حيث تُدار الحرب دون إعلانها الكامل، وتُصاغ الهدنة دون ضمان استمرارها.
هذه الهدنة، في حقيقتها، ليست سلامًا بقدر ما هي “إعادة تموضع”، كل طرف يلتقط أنفاسه، يعيد ترتيب أوراقه، ويختبر حدود خصمه دون أن يكسرها بالكامل، إنها هدنة الضرورة، لا هدنة الرضا.
وإذا كان ظاهر المشهد يوحي بالهدوء، فإن باطنه يعجّ بحسابات دقيقة، ففي ممرات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يقف العالم كله مترقبًا؛ لأن أي اضطراب هناك لا يعني فقط تصعيدًا عسكريًا، بل زلزالًا اقتصاديًا يمتد أثره إلى كل بيت على وجه الأرض.
أما عن سؤال “من يكسب؟”، فهو سؤال يبدو مشروعًا في ظاهره، لكنه مضلل في جوهره، فالولايات المتحدة قد تملك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها تعرف من قبل أن التفوق لا يعني الحسم، وأن الحروب المفتوحة في هذه المنطقة تتحول سريعًا إلى استنزاف طويل.
وفي المقابل، تدرك إيران أن قدرتها لا تكمن في الحسم العسكري المباشر، بل في إدارة الصراع، وتوسيع مساحته، وإجبار خصومها على دفع كلفة البقاء في المواجهة.
وبين هذا وذاك، تقف دول الخليج في موقع بالغ الحساسية؛ فهي ليست بمنأى عن الصراع، ولا تملك ترف الانخراط الكامل فيه. إنها معادلة معقدة، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار تحديًا يوميًا، لا مجرد هدف بعيد.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما يطرحه هذا المشهد من تساؤلات قانونية عميقة: أين يقف القانون الدولي في ظل ضربات متبادلة لا تُعلن كحرب رسمية؟، وهل ما نشهده يدخل ضمن “الدفاع الشرعي”، أم أننا أمام حالة من السيولة القانونية التي تُعيد تعريف هذا المفهوم وفقًا لموازين القوة، لا لنصوص القانون؟
إننا، في واقع الأمر، نقترب من مرحلة تُختبر فيها قواعد النظام الدولي ذاته، حيث لم يعد الخطر في اندلاع الحرب فقط، بل في اعتيادها بصورتها غير المعلنة، حتى تصبح “الوضع الطبيعي” الجديد،،كأن المنطقة تقف على أطراف أصابعها… تخشى السقوط، ولا تملك الرجوع.
فلا هي في حربٍ تُحسم، ولا في سلامٍ يُبنى، بل في مساحة رمادية تُدار فيها الأزمات بدلآ من الحل.
وفي خضم هذا المشهد، تظل الحقيقة الأوضح: أن القوة، مهما بلغت، لا تصنع استقرارًا بمفردها، وأن الانتصار، في معارك النفوذ، ليس لمن يُطلق النار أولًا، بل لمن يملك النفس الأطول، والقدرة على تحمّل كلفة البقاء.
وهكذا، تبقى الهدنة مجرد هدنة، وتبقى الحرب احتمالًا قائمًا، ويبقى الشرق الأوسط، كما كان دائمًا، ساحةً لاختبار القوة، وحدودها.


















