قال المستشار نزيه الحكيم إن أزمة سد النهضة لم تنتهِ باكتمال السد، وإنما ربما بدأت مرحلة جديدة منها، موضحًا أن السؤال لم يعد فقط حول تأثير السد على المياه، وإنما حول ما يمكن أن يحدث إذا تحول النيل الأزرق إلى منظومة متكاملة من السدود والمنشآت التي تتحكم بصورة متزايدة في توقيتات وكميات المياه المتجهة إلى دولتي المصب.
وأضاف الحكيم في تصريحات خاصة لـ«الحرية»، أن إثيوبيا أعلنت خططًا لإقامة ثلاثة مشروعات كهرومائية جديدة على النيل الأزرق، هي «كارادوبـي» و«ماندايا» و«بيكو آبو»، بمشروعات ضخمة تتجاوز قدرتها الإجمالية 5 آلاف ميجاوات، مشيرًا إلى أن هذه المشروعات ما زالت في مراحل التخطيط والإعداد، لكن خطورتها لا ترتبط فقط بحجم الطاقة التي يمكن إنتاجها، وإنما بتراكم المنشآت على مجرى مائي واحد.
وأوضح أن طريقة التفكير المصرية يجب أن تتغير، قائلًا إن تجربة سد النهضة أثبتت أن انتظار اكتمال المشروع ثم الدخول في مفاوضات حول آثاره ليس السيناريو الذي ينبغي أن يتكرر، لأن السد عندما يصبح واقعًا على الأرض تضيق مساحة الحركة، وتتحول المفاوضات إلى كيفية إدارة الأمر الواقع بدلًا من منع نشوء المشكلة من الأساس.
وتابع: «السؤال المصري اليوم يجب أن يكون واضحًا: هل سننتظر السدود الجديدة حتى تبدأ، ثم نبدأ مفاوضات جديدة؟ أم أن مصر ستتحرك من الآن لمنع تحويل هذه المشروعات إلى واقع أحادي جديد؟».
القانون الدولي يرفض الهيمنة الأحادية ويقر قواعد الإخطار المسبق والانتفاع المنصف
وشدد الحكيم على أن القضية ليست رفض التنمية في إثيوبيا أو الاعتراض على توليد الكهرباء، وإنما تتعلق بالنيل باعتباره مجرى مائيًا دوليًا تتشارك فيه دول متعددة، مؤكدًا أن أي تغيير جوهري في طريقة تنظيم المياه أو تخزينها أو إطلاقها لا يمكن أن يتحول إلى قرار منفرد تفرضه دولة واحدة على بقية دول الحوض.
وأشار إلى أن الموقف المصري السوداني كان واضحًا في فبراير الماضي، عندما أكدت القاهرة والخرطوم رفضهما لأي إجراءات أحادية في حوض النيل الشرقي يمكن أن تمس مصالحهما المائية، وشددتا على مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وتجنب الضرر والالتزام بالقانون الدولي.
وأكد أن القضية ليست سياسية فقط، وإنما قانونية أيضًا، موضحًا أن القانون الدولي للمجاري المائية الدولية يقوم على قواعد التعاون والانتفاع المنصف والإخطار والتشاور وعدم إحداث ضرر ذي شأن بالدول الأخرى.
وقال الحكيم إن مصر لديها قضية يمكن الدفاع عنها سياسيًا وقانونيًا، لكن الأمر يحتاج إلى تحرك مبكر ومنظم، مطالبًا بالانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة منع الأمر الواقع، بحيث يكون كل مشروع جديد على النيل الأزرق محل متابعة مصرية منذ مرحلة التخطيط وليس بعد بدء الإنشاء.
وأضاف: «المعلومة المبكرة قوة، والتحرك المبكر أقوى من التحرك بعد اكتمال الخرسانة».
ودعا إلى فتح جبهة دبلوماسية واسعة لا تقتصر على إثيوبيا والسودان، وإنما تشمل دول حوض النيل والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والدول المؤثرة في تمويل وتنفيذ مشروعات الطاقة والبنية الأساسية، مؤكدًا أن الرسالة المصرية يجب أن تكون واضحة: «لسنا ضد التنمية، لكننا ضد تحويل التنمية إلى وسيلة لفرض واقع جديد على نهر دولي دون اتفاق يحمي مصالح دول المصب».
ولفت إلى ضرورة أن يصبح التمويل جزءًا من التحرك الدبلوماسي، موضحًا أن السدود تحتاج إلى تمويل وشركات ومؤسسات وخبرات هندسية وعقود ومعدات وشركاء دوليين، ومن ثم يجب أن تتحرك مصر مع الدول والمؤسسات والشركات المؤثرة في هذا المجال، لجعل احترام قواعد القانون الدولي والإخطار والتشاور وعدم الإضرار جزءًا أساسيًا من أي مشاركة دولية في مشروعات على النيل الأزرق.
وشدد الحكيم على أهمية السودان في الأزمة، قائلًا: «السودان ليس دولة هامشية في هذه الأزمة، بل هو الحلقة الأكثر اتصالًا بمصدر الأزمة وبمصر في الوقت نفسه»، داعيًا إلى تحويل التنسيق المصري السوداني من تنسيق سياسي موسمي إلى رؤية مشتركة للأمن المائي.
وأكد أن باب التفاوض يجب ألا يغلق، لكن شكل التفاوض يحتاج إلى تغيير، موضحًا أن التفاوض ليس غاية في ذاته، وأن «الجلوس حول الطاولة ليس إنجازًا إذا كانت الطاولة لا تنتج اتفاقًا ملزمًا».
وأشار إلى أن المفاوضات حول سد النهضة استمرت سنوات طويلة دون الوصول إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد التشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد وآليات فض المنازعات، معتبرًا أن أي عودة إلى التفاوض يجب أن تكون على أساس اتفاق ملزم وواضح وقابل للتنفيذ، يحدد قواعد التعامل مع السد القائم وأي مشروعات مستقبلية مؤثرة في تدفقات النيل الأزرق.
وحذر من أن العودة إلى مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني أو التزامات واضحة قد تعني إضاعة الوقت حتى يظهر مشروع جديد، مشيرًا إلى أن بناء سد واحد يمكن التعامل معه باعتباره مشروعًا منفردًا، بينما يؤدي بناء سلسلة من السدود إلى خلق وضع مختلف تمامًا.
وأوضح أن كل منشأة جديدة تضيف عنصرًا جديدًا إلى منظومة التحكم في المياه، وكل منشأة جديدة تعني قواعد تشغيل جديدة، وقد تعني تفاوضًا جديدًا، محذرًا من الوصول إلى مرحلة لا يجري فيها التفاوض حول سد النهضة وحده، وإنما حول «منظومة كاملة تتحكم في النيل الأزرق قبل وصوله إلى السودان ومصر».
الردع السياسي والقانوني أداة حاسمة لحماية أمن مصر المائي
وأكد أن هذا هو السيناريو الذي لا ينبغي أن تسمح مصر بحدوثه، مشددًا في الوقت نفسه على أن «القوة ليست دائمًا أن تستخدم القوة»، وأن القوة الحقيقية أحيانًا تكون في جعل الطرف الآخر يعرف أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها.
وأشار إلى أن الرسائل المصرية بشأن رفض الإجراءات الأحادية الجديدة على النيل يجب أن تُفهم في إطار الردع السياسي والقانوني وحماية الأمن القومي، وليس باعتبارها إعلانًا مسبقًا عن مسار عسكري، مؤكدًا أن مصر ليست في حاجة إلى حرب جديدة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع قضية المياه باعتبارها ملفًا عاديًا من ملفات السياسة الخارجية.
واختتم الحكيم حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيج من «الدبلوماسية والقانون والتحالفات والضغط الدولي والردع»، مشددًا على أن أي خيار منفرد لا يغني عن الآخر.
وقال: «لقد أخطأنا، أو على الأقل لم ننجح، في منع سد النهضة من التحول إلى واقع، لكن الخطأ الأكبر سيكون أن نكرر التجربة نفسها مع السدود الجديدة».
وأضاف: «المرحلة القادمة لا يجب أن تبدأ عندما تكتمل السدود، يجب أن تبدأ الآن.. من الخرائط، من دراسات الجدوى، من التمويل، من الشركات، من المؤسسات الدولية، من القانون، ومن كل طاولة يمكن أن يُناقش عليها مستقبل النيل».
وأكد أن «المعركة الحقيقية ليست على سد بعينه، وإنما على قواعد إدارة النهر في المستقبل»، محذرًا من أنه إذا تُركت هذه القواعد تتشكل بعيدًا عن مصر والسودان، فقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال ليس «كيف ندير أزمة سد النهضة؟»، وإنما «كيف نحمي حقنا في النيل بعد أن أصبح فوق مجراه عدد من السدود والمنشآت؟».





















