ماذا لو استيقظنا صباح الجمعة، فوجدنا أن منصات التواصل الاجتماعي ستظل صامتة حتى صباح الأحد؟ لا تمرير لا نهائي بين مئات الفيديوهات، ولا خناقة عائلية تتحول في ساعات إلى قضية رأي عام، ولا سباق على التعليقات والمشاهدات والتنمر والنبذ، ولا هاتف يُفتح كل عدة دقائق لمعرفة ماذا حدث في غيابنا
السؤال ليس ساخرًا كما يبدو. ولكن حقًا ماذا لو جربنا، لعام واحد فقط، أن تكون هناك نهاية أسبوع بلا منصات التواصل بقرار رسمي، مع بقاء الإنترنت وتطبيقات المراسلة والخدمات البنكية والتعليمية وكل ما نحتاجه لحياتنا اليومية؟ ليس باعتبار ذلك عقوبة، ولا لأننا قررنا مسبقًا أن السوشيال ميديا شر، بل باعتباره تجربة نسأل بعدها ماذا فعل يومان بلا خوارزمية بحياتنا؟
هل جلس الأبناء مع آبائهم وقتًا أطول؟ هل ازدحمت المقاهي بالحديث بدل التحديق في الشاشات؟ هل تغير متوسط الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا؟ هل طالت مدة جلسة الغداء في البيوت؟ هل يخرج الأطفال أكثر مع الأصدقاء، هل تغيرت شكل علاقات الأطفال بأقرنائهم؟ هل انخفض مستوى التنمر وكافة أشكال العنف؟ هل تحسن مستوى النوم، هل تفاهمنا أكثر لأننا اضطررنا أخيرًا إلى التعامل بعضنا مع بعض، أم سنكتشف أن شيئًا لم يتغير أو أن هناك ضرر نتج عن هذه التجربة؟
المهم أن نقيس، لا أن نفترض، فالتحول الذي يحدث عالميًا يستحق الانتباه، أوروبا نفسها بدأت تنتقل من سؤال ما المحتوى الضار الموجود على المنصات؟ إلى سؤال أكثر عمقًا مفاده هل تصميم المنصة ذاته يدفع المستخدم إلى البقاء أطول مما كان ينوي؟
في يوليو 2025 أوصت المفوضية الأوروبية بتعطيل بعض هذه الخصائص افتراضيًا للقاصرين وتعديل أنظمة التوصية، ثم أعلنت في 2026 نتائج أولية اعتبرت أن بعض جوانب تصميم منصات تيكتوك ثم فيسبوك وانستجرام قد تتعارض مع التزامات قانون الخدمات الرقمية لاعتبارات لها علاقة بالتصميم الإدماني. وبالتوازي، تتراكم الدراسات الأوروبية حول أثر المنصات داخل الحياة اليومية والتي منها تجارب تناولت سلوك الأفراد والأسر والأطفال والمراهقين، وظواهر جديدة مثل “التجاهل بالهاتف” وربطتها بانخفاض الانتباه وتراجع جودة بعض أشكال التفاعل الشخصي، بل وامتد البحث الي السلوك المهني للأطباء وحضورهم على المنصات.
الخلاصة ليست أن أوروبا حسمت حجم الضرر، بل أنها بدأت تتعامل مع المنصات باعتبارها بيئة سلوكية قابلة للقياس وإعادة التصميم والتنظيم، لا مجرد تطبيقات يختار الفرد وحده كيف يستخدمها، السؤال إذن الذي يهمنا هل ننتظر عشر سنوات حتى تنتهي أوروبا وأمريكا من تجاربها، ثم نترجم ما توصلت إليه ونفترض أنه ينطبق علينا؟
المجتمع المصري مختلف، الأسرة مختلفة، وأنماط العلاقات مختلفة، وطبيعة الشارع والقرية والمدينة واستخدام المنصات مختلفة. ما يحدث لشاب يعيش وحده في لندن أو نيويورك لا يمكن نسخه ببساطة على أسرة من خمسة أفراد تعيش في القاهرة أو المنصورة أو أسيوط
لكن لدينا اليوم أيضا مشاهد أصبحت عادية لدرجة اننا توقفنا عن ان نراها، أسرة تجلس حول مائدة واحدة، بينما كل شخص موجود في مكان آخر. ابن يتحدث وأبوه ينظر إلى الهاتف. زوجان أمام مسلسل، وكل منهما يتنقل في شاشة ثانية. زيارة عائلية ينشغل نصف الموجودين خلالها بأشخاص غير موجودين أصلًا في الغرفة. تشجيع لوقائع عنف وتحرش وابتزاز والاف من التعليقات الداعمة.
هذا هو السؤال الذي يستحق بحثًا مصريًا حقيقيًا، وقد نكتشف بعد عام أن شيئًا مهمًا لم يتغير، وقتها ستكون هذه نتيجة مهمة أيضًا، وقد نكتشف أننا بالغنا في تأثير المنصات، أو نكتشف أن يومين فقط أعادا شيئًا من الوقت إلى البيت والشارع والنادي والكتاب والزيارة.
ما نناقشه الأن ليس بدعة فالبشر فعلوا ذلك من قبل مع منتجات وتقنيات كثيرة. ننبهر أولًا بما تمنحه لنا، ثم تبدأ الأجيال التالية في اكتشاف الثمن الذي لم يكن ظاهرًا في السنوات الأولى، فنضع المعايير والتنظيمات التي تحفظ الفائدة وتحد من الضرر.

















