مؤخرا، لم أعد أسمع هذا المثل يتردد كثيرا كما اعتدت، فتساءلت: هل مات الذين اختشوا بالفعل، أم أن الأحياء لم يعودوا يعرفون للحياء معنى، ولا للخجل مكانا؟!
أم أن المجتمع انفتح إلى الحد الذي جعلنا نعيد تعريف ما هو لائق وما هو غير لائق، حتى أصبح القبيح مقبولا، والمرفوض وجهة نظر، والخطأ حرية شخصية لا يجوز لأحد الاقتراب منها؟!
أم أننا أصبحنا أكثر براعة في صناعة المبررات، وتزيين الأخطاء بالتسويغات، وإلباس التجاوزات ثوب التعليلات، حتى بات لكل فعل مهما بلغت بشاعته من يدافع عنه، ولكل تجاوز من يجد له ألف حجة وحجة؟!
المشكلة ليست في أن تتغير المجتمعات، ولا في أن تتبدل أفكار البشر، بل في أن نفقد قدرتنا على التمييز بين الحرية والانفلات، وبين الجرأة والوقاحة، وبين تقبل الاختلاف والتنازل عن المبادئ.
فليس كل ما نستطيع فعله يليق بنا، وليس كل ما نستطيع تبريره يصبح صحيحا، وليس كل ما اعتاده الناس جديرا بأن يصبح مقبولا.
والأخطر من ذلك أن يتحول الصمت عن الخطأ إلى حكمة، والاعتراض عليه إلى تطرف، وكأننا لم نعد نختلف حول السلوك نفسه، بل حول حقنا في تسميته باسمه الحقيقي. وحينها، لا يعود الخوف من نظرة المجتمع رادعا، بل يصبح الخوف من مواجهة الحقيقة عبئا نحاول الهروب منه بشتى الطرق.
وربما لم يمت الذين اختشوا كما يقول المثل، بل أصبحوا غرباء في زمن يجيد فيه البعض تبرير كل شيء، إلا الاعتراف بأنهم أخطأوا.
فهل مات الحياء حقا، أم أننا منحنا الوقاحة من المبررات ما جعلها تبدو وكأنها حق أصيل؟!






















