في ذلك التوقيت، أعتقد أن كل بيت مصري شارك في الحرب بطريقته؛ كانت الأجواء مشبعة بالتوتر والهلع، أم تنتظر، زوجة تخفي خوفها، طفل لا يفهم لماذا غاب أبوه، وبيت يعيش على صوت خطوات عند الباب.
وكل أم تسأل نفسها: من سيعود؟ ومن سيرحل؟
كانت الأمهات ينتظرن أبناءهن، بعضهم عاد سالما، وبعضهم عاد وترك جزءا منه هدية لبلاده، ليعيش ما تبقى من عمره يفتقد ما فقده.
وهناك من لم يعد أبدا…
وحين طرق الباب، هرعت أمه تظن أنها ستضم ابنها إلى صدرها، لتكتشف أن ابنها رحل، لكنه أرسل إليها بدلا منه شيئا أعظم: الحرية والنصر.
هكذا كان أكتوبر…
لم تكن الحرب معركة على الجبهة فقط، بل كانت معركة خاضتها كل البيوت المصرية، ودفعت ثمنها قلوب لا تزال تذكر حتى اليوم.
* ماذا لو كان الجندي يحكي؟
———————————————-
البطولة ليست ألا تخاف… البطولة أن تفعل ما يجب رغم خوفك.
هذا ما رواه لنا أبطالنا الناجون من حرب لم تكن سهلة، وقف فيها جنودنا وقفة أسود، وكتبوا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات التاريخ.
لن أنسى ما رواه لنا مبدعنا، الشهيد الحي كما أطلق عليه الأستاذ سعيد الصباغ.
لكن ما زالت في جعبتي الكثير من الأسئلة العالقة، تلك التي لم تجد طريقها إلى الإجابة بعد.
فقط انظر إلى عينيه وهو يتحدث…
تأمل ذلك الفخر الذي تسكنه كلماته، وكأن النصر لم يكن ذكرى بعيدة، بل حدثا ما زال حاضرا أمامه.
بل ستسمع، وأنت تنصت جيدا، صوت الرصاص والطائرات بين كلماته، وستشعر أن ما يحكيه حدث بالأمس…
لا منذ أكثر من نصف قرن.
* أكتوبر بعد الحرب
———————————————-
ربما لم يعد الناجون من الحرب كما كانوا قبلها، فقد حمل كثيرون منهم آثارها لسنوات، وتسللت ذكرياتها إلى مشاعرهم حتى أصبحت جزءا من دواخلهم.
عادوا من الحرب، لكن الحرب لم تغادرهم… أتوا بها معهم، وظلت تسكن في ذاكرتهم.
ومع ذلك، يبقى ما يهون على القلوب أنهم عادوا، رافعين راية النصر على أكتافهم






















