لم تعد أزمة السوق العقاري المصري مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو تباطؤ المبيعات، وإنما باتت مرتبطة بصورة أكبر بقدرة السوق على استكمال المشروعات، وضبط العلاقة بين المطور والعميل، وتحويل قوة المنتج العقاري المصري إلى فرصة حقيقية لجذب المستثمر الدولي.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه الدولة لتشديد الرقابة على المشروعات ومراجعة العقود ومعدلات التنفيذ، يرى خبراء في القطاع أن المرحلة الحالية تتطلب الاستفادة من تجارب الأسواق التي سبقت مصر، وفي مقدمتها الصين، بالتوازي مع البحث عن أسواق جديدة قادرة على ضخ استثمارات في العقار المصري.
ومن زاويتين مختلفتين، يضع ساهر السعدي، مستشار الأعمال التجارية الدولية ومؤسس جمعية المصريين في الصين، وشعبان أحمد، مؤسس اتحاد خبراء ومستشاري العقار ومؤسس شركة إنفينيتي للاستشارات العقارية، عدة إشارات أمام السوق بشأن ما يجب فعله خلال المرحلة المقبلة.
الصين سبقت مصر في أزمة بدأت بالمضاربة وانتهت بالتصحيح
يحذر ساهر السعدي من تكرار تجربة السوق الصينية، موضحًا أن التوسع العمراني الكبير هناك تزامن مع دخول المضاربة بقوة إلى القطاع العقاري، بعدما تحول شراء الوحدات لدى بعض المستثمرين من غرض السكن والاستثمار طويل الأجل إلى شراء الوحدة بهدف إعادة بيعها خلال فترة قصيرة وتحقيق مكسب.
وبحسب السعدي، أدى هذا السلوك إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات، بالتزامن مع توسع المطورين في الاقتراض وتمويل مشروعات جديدة، قبل أن تظهر أزمة السيولة وتعثر بعض الشركات وعدم قدرتها على استكمال المشروعات.
ويرى ساهر، أن الدرس الأهم من التجربة الصينية هو ضرورة ضبط السوق قبل وصوله إلى مرحلة يصعب التعامل معها، مؤكدًا أن مصر تشهد بعض الملامح التي تستدعي الانتباه، خصوصًا مع ضعف المبيعات الفعلية رغم إعلان بعض الشركات عن أرقام مبيعات مرتفعة.
استكمال المشروعات.. المفتاح قبل البحث عن عميل جديد
وفي المقابل، يضع شعبان أحمد، استكمال المشروعات المتأخرة في مقدمة الأولويات، معتبرًا أن العقار لا يحقق قيمته الحقيقية إلا بعد اكتماله ودخوله مرحلة التشغيل والاستغلال.
وأشار أحمد، إلى أن ارتفاع تكلفة التنفيذ خلال السنوات الماضية، نتيجة المتغيرات الاقتصادية وتحرير سعر الصرف، وضع بعض المطورين أمام فجوة بين أسعار البيع التي تم التعاقد عليها سابقًا والتكلفة الحالية للتنفيذ.
ويرى شعبان، أن مساعدة المشروعات القابلة للاستكمال على إنهاء أعمالها وتسليم العملاء يجب أن تكون خطوة أساسية، لأنها لا تحمي العميل فقط، وإنما تحافظ كذلك على سمعة المطور وتمنحه فرصة للعودة إلى السوق بقوة.
من السوق المحلي إلى المستثمر العالمي
وتتقاطع رؤية شعبان أحمد، مع فكرة أن السوق العقاري المصري لا يجب أن يظل معتمدا على العميل المحلي وحده، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك عناصر جذب يمكن البناء عليها لاستقطاب شرائح أكبر من المستثمرين الدوليين.
ويستند في ذلك إلى البنية التحتية والمناطق الصناعية وحجم السوق المحلي والاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بالعديد من الأسواق، إلى جانب مستوى المشروعات العقارية الذي يراه منافسًا للمنتجات الموجودة في أسواق عالمية.
لكن الوصول إلى المستثمر العالمي، بحسب رؤيته، يحتاج إلى أدوات مختلفة في التسويق والتواصل، وليس مجرد حملات إعلانية تقليدية.
مصر تستطيع أن تكون «سوقًا مكملة» لدبي
ويرى شعبان أحمد، أن ارتفاع الطلب على العقارات في دبي وارتفاع الأسعار هناك يفتح فرصة أمام مصر لاستقطاب شريحة من المستثمرين الذين يبحثون عن أسواق جديدة.
ويطرح تصورا يقوم على تقديم مصر باعتبارها سوقا مكملة لدبي، بحيث يستطيع المستثمر الحفاظ على أعماله واستثماراته في دبي، مع إدارة جزء من نشاطه واستثماراته من القاهرة، مستفيدا من قرب المسافة وتنوع الفرص الموجودة في السوق المصرية.
لكن تحقيق ذلك، بحسب شعبان، يظل مرتبطا بشرط أساسي هو وجود مشروعات مكتملة وقادرة على استيعاب هذه الاستثمارات.
المستشار العقاري الدولي.. حلقة مفقودة في تصدير العقار
ولا تتوقف رؤية شعبان، عند استقطاب المستثمر، إذ يرى أن السوق تحتاج أيضا إلى جيل جديد من المتخصصين القادرين على مخاطبة المستثمر العالمي بلغته الاستثمارية.
ولهذا تحدث عن إعداد أكاديمية لتأهيل الشباب للعمل كمستشارين عقاريين دوليين، مستهدفًا تدريب آلاف الشباب على التعامل مع المستثمرين العالميين باستخدام لغة تعتمد على الأرقام والبيانات وفهم طبيعة قرارات الاستثمار.
ويرى أحمد، أن مصر تمتلك شبابا مؤهلا من حيث التعليم واللغات والقدرة على التواصل، لكن ما ينقصه هو التدريب المتخصص والثقة والأدوات اللازمة للتعامل مع شرائح المستثمرين الدوليين.
سمعة التسليم قد تكون أقوى من أي حملة إعلانية
وبينما يبحث السوق عن طرق جديدة لزيادة المبيعات، يلفت ساهر السعدي إلى أن سمعة الالتزام بالتسليم تمثل عاملًا حاسمًا في جذب الأموال والاستثمارات.
فالمستثمر الخارجي، بحسب رؤيته، يحتاج قبل ضخ أمواله إلى التأكد من أن المشروع سيُنفذ وأن التعاقدات سيتم احترامها، معتبرًا أن أي أزمة في التسليم لا تتوقف آثارها عند العميل المتضرر، وإنما يمكن أن تمتد إلى صورة السوق العقارية المصرية بالكامل.
ومن هنا تأتي أهمية الإجراءات الرقابية التي تستهدف متابعة المشروعات والعقود ومعدلات التنفيذ، باعتبارها جزءًا من حماية السوق وليس مجرد محاسبة للمطورين.
العقار المصري أمام فرصة.. لكن بشرط
تكشف رؤيتا السعدي وشعبان، أن المعركة المقبلة في السوق العقاري المصري قد لا تكون فقط حول من يبيع أكثر، وإنما حول من يستطيع بناء سوق أكثر انضباطًا وجاذبية للمستثمر المحلي والدولي.
فبينما تقدم التجربة الصينية درسًا بشأن مخاطر المضاربة والتوسع غير المنضبط في الاقتراض، تطرح مقومات السوق المصرية فرصة مختلفة تقوم على استكمال المشروعات، واستعادة ثقة العملاء، وتطوير أدوات تصدير العقار، والوصول إلى المستثمر العالمي بطريقة أكثر احترافية.
وفي النهاية، تبدو المعادلة واضحة، من ناحية مشروعات مكتملة وسوق منضبط مع أدوات تسويق دولية تساوي فرصة حقيقية لتحويل العقار المصري من منتج محلي إلى أصل استثماري عالمي.
اقرا ايضا: جلال الشيخ لـالحرية: المطورون يجهزون ملفاتهم ويترقبون إجراءات وزارة الإسكان لتنظيم السوق العقاري




















