واللهِ أنَّا نأبى أن نسمع بعضنا البعض، ليس في السياسة التي كنت أظنها ساحة الاستقطاب الوحيدة، بل في كافة شؤون حياتنا؛ الأسود من قرن الخروب.
ما إن طيَّرت صفحات “السوشيال ميديا” المادة الفيلمية لواقعة “تحرش الحافلة”، حتى وثب كل فريق إلى امتشاق سيفه دفاعًا عن “أهله وعشيرته”، سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، فذاك شأنٌ لا يغيِّرُ من الأمر شيئًا، ما دمت من “شِلَّتنا” سنعلن لأجلك حرب الكل ضد الكل.. وربما ضد الحق أيضًا.
حاملو راية “إيه اللي ودَّاها هناك”، هرعوا إلى تأثيم المدعية، على حين سنَّ الاتحاد الاشتراكي النسوي أسنانه لتمزيق لحم المدعى عليه: دقِّقوا إلى نظراته، نعم هذه نظرة متحرِّش عتيد، عتل بعد ذلك زنيم، أما الفتاة فلا تحكموا عليها من مظهرها، هي حرة ولا ينبغي لأحد أن ينبس ببنت شفة، اخرسوا ولا نفس، “والبيت ده طاهر وهيفضل طاهر”.
وسط هذا وذاك أفصحت عن إحساسي بوجود حلقة مفقودة، مشددًا على أنه محض إحساس ليس محصنًا معصومًا، ودعوت إلى التروي في إصدار الأحكام، وإن كنت ركزت على عدم تأثيم الشاب أكثر، فذلك لأن السكاكين المصوَّبة إلى نحره كانت أكثر من حامية.
المؤكد يقينًا أنه مثلما يعتبر منهج تحميل المرأة خطايا البشرية منذ أكل آدم التفاحة المحرمة، منهجًا جائرًا ظالمًا، فإن الإسراع إلى تأثيم الرجل قبل أن تقول التحقيقات كلمتها الفاصلة، يعد من الجور والظلم أيضًا.
هذه قاعدة قانونية وأخلاقية، وحين يقال إن الحكم عين الحقيقة، فهذه ليست طنطنة بلاغية أو إطنابًا لغويًا استهلاكيًا.
لكن ذلك لم يرض النسويات اللاتي هرع كثيرات منهن إلى استباق التحقيقات، فجعلن يجهرن بشكوكهن في أن يصدر قاضٍ “ذكر” حكمًا رادعًا أو حتى عادلًا ضد متهم “ذكر”. ما هذا السخف الممجوج والنطاعة اللزجة؟
لا توحي تلك الصرخات الاستباقية بأن المجتمع الذكوري سيحمي الذكر ويغبن الأنثى حقها، إلا بأن صواحباتها يردن حكمًا قضائيًا على مقاساتهن، ووفق ما يرضيهن من أن كل أنثى تَدَّعي على رجل هي صادقة أمينة، لا يأتيها الباطل من فوق أو من تحت، وكل رجل يُدعى عليه إنما هو مستباح العرض منتهك السمعة، مجرم بدون أي نقاش.
ردة إلى أخلاقيات الجاهلية الأولى
سلوك ضد مبادئ العدالة الأخلاقية، لا يتحرى شرف خصومة، إلى حد أنه يبدو كما لو كان يستنُّ بمقولة عمرو بن كلثوم في معلقته: “أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا/ فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا”.
ردة أخلاقية إلى حضيض الجاهلية الأولى، ومنهج ظلامي يتوخى تقسيم المجتمع على أسس كالقبلية، فهذه قبيلة النساء التي تدافع عن عضواتها في الحق والباطل، وتلك قبيلة الرجال التي يلتمس أفرادها العذر للرجل في التحرش لأن الفتاة ترتدي ما لا يوافق هواه الذاتي ومسطرته الأخلاقية.
أن يتصرف دعاة حريات ونشطاء في المجتمع المدني بهذه العقلية فنحن في كارثة مكتملة الأركان.
الأحرى بالشرفاء أن ينحازوا للمظلوم بعد ثبوت مظلوميته، وأن يكون هذا الانحياز لمجرد كونه مظلومًا، وليس لكونه ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو مسيحيًا، غنيًا أو فقيرًا، أبيض أو أسود، فتلك التقسيمات وغيرها لا ينبغي أن يُعتد بها أمام ميزان العدالة. الانحياز والدعم والتأييد لا يرتهن ولا ينبغي أن يرتهن إلا لقاعدة لا تقبل القسمة على اثنين: “هذا مظلوم فأنا سأنصفه ما استطعت إلى ذلك سبيلًا”.
حتى كتابة هذه السطور لا تزال قضية “تحرش الحافلة” أمام النيابة، وآخر التطورات أن المتهم أُخلي سبيله على ذمة التحقيقات بكفالة ألف جنيه، وعليه فإن تبرئته كما يدعي كثيرون أو تجريمه كما يطنطن كثيرون، لا يمت إلى الشرف والمروءة والعدالة بصلة.
رغم أنف الاتحاد الاشتراكي النسوي، و”الشرشحة الإلكترونية” لكل من يخرج عن طوعه، لا مفر من انتظار نتيجة التحقيقات، والمؤكد أن الاشتراك في حلقات الزار المقامة لشيطنة المدعى عليه “الذي لا يزال متهمًا وليس مدانًا وليس بريئًا”، هي من قبيل تطفيف الميزان.
نعم.. أنا أخطأت واعترفت بشجاعة
والغريب أن رأيي بضرورة التزام الحياد البارد، والتروي في إصدار الأحكام إزاء واقعة ملتبسة الوقائع، وفيها من الغموض أكثر مما فيها من الوضوح، لم يكن عليَّ بردًا وسلامًا.
كنت قد نشرت على صفحتي الخاصة تعليقًا غير رصين، أو غير لائق ومتسرع، أعربت فيه بنبرة متحيزة عن شكوكي إزاء دوافع الفتاة، ثم هرعت إلى الاعتذار عما بدر مني من تفريط في ثوابت أخلاقية دائمًا ما أدعيها، لكن هيهات أن يرضي ذلك الاتحاد الاشتراكي النسوي.
لقد خرقت المحاذير وتجاوزت الخطوط الحمراء، الأمر الذي يبيح سفك دمي في الأشهر الحرم، ويصنفني في خانة الغوغاء والقساة الغلاظ الذين يسومون النساء سوء العذاب.
ورغم “الشرشحة” توخيت أقصى درجات ضبط النفس، ليس لأن الموج مرتفع ويجب أن “أطاطي”، فلست بالذي يتقن ذلك، لكن لأني كنت تحت نازع من تأنيب الضمير؛ لقد استقبحت ذاتيًا عبارتي المتسرعة ولم تأخذني العزة بالإثم، وكررت الاعتذار مجددًا. فهل ترضى سيداتي آنساتي ومن معهن من السادة الرجال بذلك؟
على سبيل الجملة الاعتراضية هنا، فمن المفارقات أن كثيرًا من الرجال يتبنون مقولات النسويات مهما كانت متطرفة، ليس عن إيمان “جوَّاني” بل لنصب شباكهم لاصطياد الضحايا اللاتي يعتقدون أنهن سيرتمين في أحضانهن: “أوه.. أنت راجل جانتيه مؤيد لحقوق المرأة”.. هذا مع أنه مؤيد لـ”الحكوك” لا الحقوق.
أقول “كثيرًا من الرجال”، ولا أقول كلهم، فمن أحس ببطحة على رأسه فلا ينحي باللائمة على كاتب السطور.
على كل حال، ورغم اعترافي بأني تسرعت، أو أخطأت أو ارتكبت ذنبًا عظيمًا، لك حرية التوصيف، ورغم تراجعي عن ذلك، لم ترض جوقة “الفيمنيست”، فالمطلوب أن أتبع ملتهم وأسير خلف مقولاتهم مغمض العينين كالثور في الساقية، وهذا حتمًا لن يكون.
لن أقتفي حتى رمقي الأخير إلا ما أراه حقًا، مع استعدادي الدائم للتضحية بأي شيء مقابل ذلك، ومع قبولي أيضًا بمراجعة أفكاري ومواقفي وهدمها رأسًا على عقب إن ثبت لي تهافتها، وهذه صفة يعاني المتطرفون من الافتقار إليها بدرجة حادة.
القضية عادلة والمحامي فاشل
وبعيدًا عن الانجراف في الذاتي، فإن قضايا التحرش تبقى في نظري قضايا عادلة لكن محاميها فاشل.
إذا كانت مقولة أن مظهر المرأة يبرر التحرش بها محض افتئات على الحقيقة، وتجاوز لأبسط مبادئ الحرية الشخصية، فإن مقولة “البسي ما تشائين أختاه”، ومعناها المضمر في كثير من الأحيان “تعَّري كما تشائين أختاه”، ليست إلا تدليسًا سخيفًا على الجبهة الأخرى.
السيدات والآنسات والسادة الذين اختزلوا إنسانية المرأة في أن “تلبس وتقلع”، يتعاطون مع منظومة القيم الاجتماعية بطريقة الصدمات الكهربائية، يسخرون من أمور تكاد تكون من التابوهات الشعبية، يضغطون على أعمق عصب في المنظومة الثقافية السائدة، والنتيجة الحتمية أن المجتمع سيصعِّر لهم خده معرضًا عن كل ما يطالبون به من مطالب مهما كانت عادلة.
أعلم أن البعض سينط في وجهي: “لكن عبارة قيم المجتمع عبارة مطاطية حمَّالة أوجه”، وهذه كلمة حق يراد بها باطل، فالمعلوم بالضرورة أن هذه القيم واضحة إلى حد كبير، والمؤكد أن هناك خطًا رفيعًا بين الحرية والانحلال وهو خط محسوس بالسليقة والفطرة.
الأزمة أن معظم مناهضي التحرش أو الذين يدَّعون ذلك يجنحون إلى استيراد قيم لا تشبه الواقع المصري، يريدون “أمركة أو فرنسة” المجتمع، وفق تعبير عميد الأدب العربي طه حسين، ولا يؤسسون لحراك اجتماعي يتكئ على خصائص الهوية الحضارية والثقافية المحلية، يسعون إلى إجبار العامة على ابتلاع ما ينفرون منه، بل حتى إنهم لا يطرحون على أنفسهم السؤال الحتمي: كيف نخاطب المجتمع خطابًا يستسيغه فلا يلفظه؟
السؤال حتمي لأن عمليات تغيير المجتمع ليست عمليات فوقية يمكن أن تتم رغم إرادته، ولأن هذا هو المجتمع الذي وُجِدنا فيه سواء أعجبنا ذلك أو لم يعجبنا.
الخسارة المعنوية الخطيرة
ختامًا تقول الحكاية القديمة إن سبَّاحًا عابثًا، أمعن في الدخول إلى أعماق البحر، فجعل يستصرخ الناس أن ينتشلوه من الغرق، ولما قفزوا إلى الماء أخذ يقهقه منتشيًا: “لقد ضحكت عليكم”.
عندئذٍ راقت له الخدعة السخيفة فكررها مرةً بعد مرة، حتى إذا ما بوغت بتيار قوي يسحبه إلى الأعمق فعليًا، أخذ يستصرخ الغوث والنجدة، فلم يعره أحد اهتمامًا.
مع كل حادثة تحرش يتبنى الاتحاد الاشتراكي النسوي رواية المدعية كليًا، دون حساب لأن التحقيقات قد تظهر تهافتها وفسادها، وأن هذا سيمثل انتقاصًا من القيمة المعنوية لقضية لا شك في عدالتها.
يومًا بعد يوم سيأنف الناس من هذه المسألة، ولن يقفزوا إلى الماء لانتشال غريق يصرخ ملتاثًا أن أغيثوني؛ لأنهم ببساطة يفقدون الثقة تراكميًا في أصحاب الروايات السائبة، ويضيقون ذرعًا بالفاشية النسوية التي تمارس سياسة “خذوهم بالصوت”.
آه.. نسيت أن أقول؛ إن كاتب السطور تلقى شتائم منتقاة، وصدرت ضده أحكام بأنه داعم لجريمة التحرش لأنه بدوره متحرش.. هكذا “خبط لصق”.
أرأيتم إلى هذه النباهة والذكاء؟ لقد أصبحت الدعوة إلى التريث قبيل إصدار الأحكام، تهمة أو مثلبة تستجلب الويل والثبور وعظائم الأمور، ومن يرتكبها فعليه لعنة نون النسوة وتاء التأنيث.





















