في يناير 2018، قدمت الدولة المصرية «حكاية وطن» لعرض ما تحقق خلال السنوات السابقة من مشروعات وسياسات، ثم عادت في سبتمبر 2023 بعنوان «حكاية وطن.. بين الرؤية والإنجاز»، لتقدم صورة أوسع لما تحقق في الاقتصاد والطاقة والبنية الأساسية وغيرها.
وخلال هذه السنوات، كانت هناك أيضًا مساحات أخرى للنقاش وتقييم السياسات، أبرزها المؤتمر الاقتصادي مصر 2022 والحوار الوطني في عامى 2023 و2024، بما طرحاه من نقاشات حول الاقتصاد والإصلاح والسياسات العامة وأولويات المرحلة المقبلة.
واليوم، مع توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية، وحجم الجهود والأموال التي أُنفقت والنتائج التي تحققت، وعرضه على المواطنين خلال أكتوبر، يبرز سؤال مختلف: ما الذي ينبغي أن يكون جديدًا هذه المرة؟
لذلك، ربما لا تكون القيمة في أن نسمع قائمة أطول من المشروعات، أو أن نرى أرقامًا أكبر للاستثمارات، فقد أصبحت لدى الدولة بالفعل حصيلة ضخمة من الطرق والمدن والمرافق والبنية الأساسية، كما سبق أن استمعنا إلى رؤى وسياسات وتوصيات عبر منصات متعددة.
الجديد الذي نحتاجه هذه المرة هو الانتقال من الحديث عن الإنجاز إلى قياس أثره، ماذا أضافت هذه الاستثمارات إلى حياة الناس؟ وماذا أضافت إلى الاقتصاد المصري؟ وما الذي تحقق من المستهدف، وما الذي لم يتحقق، ولماذا؟ هنا تحديدًا ينتقل كشف الحساب من مجرد حصر ما تم تنفيذه إلى قياس ما ترتب عليه.
هذه ليست دعوة للتقليل من حجم الإنجاز، وإنما لتطوير طريقة تقييمه. فالطريق مثلًا لا تكتمل قيمته الاقتصادية عند افتتاحه، وإنما عندما يختصر زمن وتكلفة النقل، ويسهل حركة التجارة، ويربط مناطق الإنتاج بالأسواق، ويجذب استثمارات جديدة، ويفتح المجال أمام السياحة والعمران، قيمة الطريق فيما أحدثه حوله، وليس فقط فيما أُنفق عليه.
والأمر نفسه ينطبق على المدن الجديدة، فنجاح مدينة مثل العلمين لا يقاس فقط بعدد الأبراج أو الوحدات التي بُنيت وبِيعت، وإنما بعدد السكان الذين استقروا فيها، وحجم النشاط التجاري والسياحي، وعدد المنشآت التي تعمل، والوظائف التي خلقتها، ومدى استخدام أصولها طوال العام، فالمعيار في النهاية ليس حجم العمران وحده، وإنما قدرة العمران على توليد حياة واقتصاد.
ومن واقع خبرتي في مجال الشباب، أرى أن المعيار نفسه يجب أن ينطبق على الاستثمار في البنية الشبابية والرياضية، فليس كافيًا أن نقول إننا أنشأنا وطوّرنا 4570 مركز شباب، وحوّلنا عددًا منها إلى مراكز للتنمية الشبابية، وأنشأنا 12 معسكرًا شبابيًا، و12 مركزًا للابتكار والتعليم المدني، و10 مدن شبابية، و7 منتديات شباب؛ فالسؤال الأهم هو: كم شابًا وصل بالفعل إلى هذه المنشآت؟ وكم منهم أصبح يمارس نشاطًا بصورة منتظمة؟ وكم موهبة رياضية اكتشفناها وطوّرناها؟ وكم بطلًا خرج من هذه القاعدة إلى المنافسات الدولية؟ وهل اتسعت بالفعل قاعدة الممارسة الرياضية والشبابية؟ فالمنشأة الشبابية لا تحقق غايتها بمجرد افتتاحها؛ قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تمتلئ بالشباب وأسرهم.
وهنا نصل إلى أحد أصعب الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب كشف الحساب: كيف تحولت الاستثمارات العامة إلى تشغيل؟ فمرحلة إنشاء مشروع كبير تولد نشاطًا وفرص عمل، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اكتماله: هل يستمر النشاط؟ هل يعمل الأصل بكفاءة؟ هل ينتج إيرادًا؟ هل جذب استثمارًا خاصًا؟ هل خلق وظائف مستدامة؟ وهل أضاف طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد؟
ومن ثم، لا يكفي أن نعرف كم أنفقت الدولة، بل يجب أن نعرف ماذا ولد هذا الإنفاق، كم استثمارًا خاصًا جذبه؟ كم وظيفة مستقرة خلقها؟ كم زاد الإنتاج؟ كم ارتفعت الصادرات؟ كم انخفضت تكلفة النقل والخدمات؟ وما حجم القيمة الاقتصادية التي نشأت حول المشروع؟ والأهم: كم أضاف إلى الناتج المحلي والقيمة المضافة؟
وهذا هو الفارق بين أن نقيس نجاح الاستثمار العام بحجم ما تم إنجازه، وأن نقيسه بالعائد الذي أصبح ممكنًا بعد الإنجاز. فالدولة قد تبني أصلًا مهمًا، لكن النجاح الكامل يتحقق عندما يصبح هذا الأصل جزءًا من دورة اقتصادية مستمرة: إنتاج، وتشغيل، واستهلاك، واستثمار، وإيرادات.
ومن هنا تصبح المقارنة مع بعض تجارب القطاع الخاص مفيدة، إذا تمت بصورة علمية وعادلة، ليس الهدف مقارنة مشروع حكومي بمشروع خاص على أساس الأرقام المجردة، فلكل مشروع طبيعته وتوقيته ونموذج تمويله، وإنما فهم لماذا استطاع نموذج معين أن يحول الأصل إلى نشاط اقتصادي أسرع أو أكثر استدامة. المقارنة هنا ليست للحكم، وإنما للتعلم.
ولعل أهم ما يمكن أن يميز كشف الحساب هو ألا يعرض النجاح فقط، وانما يستعرض المشروعات التي تأخرت؟ والأصول التي لم تصل إلى معدلات التشغيل المستهدفة؟ أين أخطأت تقديرات الطلب؟ وما المشروعات التي تجاوزت تكلفتها التقديرات؟ وما الذي ستفعله الحكومة لتصحيح ذلك؟ فالفجوة بين المستهدف والمتحقق ليست شيئًا ينبغي إخفاؤه؛ إنها واحدة من أهم المعلومات التي يحتاجها صانع القرار والمواطن معًا.
وهنا أيضًا يجب أن تتغير طريقة مخاطبة المواطن، خصوصًا الأجيال الأصغر. جيل زد لا يحتاج إلى أن يرى المشروع للمرة العاشرة على الشاشة؛ يمكنه أن يراه على أرض الواقع، وأن يبحث عن معلوماته ويقارنها بمصادر أخرى. ما يريده هو أن يفهم ماذا تغير بالفعل: هل أصبحت هناك وظيفة؟ هل انخفضت تكلفة؟ هل تحسنت خدمة؟ هل نشأ نشاط اقتصادي جديد؟ وهل انعكس الاستثمار العام على فرصه ومستقبله؟
لذلك، فإن إشراك الشباب في مؤتمر أكتوبر يمكن أن يتجاوز الشكل البروتوكولي إلى إشراكهم في قراءة النتائج نفسها، إلى جانب الخبراء وأساتذة الجامعات وأصحاب الأعمال. فالمؤتمر الأكثر إقناعًا ليس الذي يقدم أكبر عدد من الأرقام، وإنما الذي يجعل الأرقام قابلة للفهم والمقارنة والنقاش.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في أيام المؤتمر، وإنما فيما سيأتي بعده؛ فالرئيس يريد لهذا الحدث أن يكون نقطة تحول، ولذلك يجب ألا ينتهي كشف الحساب بانتهاء المؤتمر، بل يتحول إلى نظام مستمر لقياس أداء المشروعات العامة، يوضح التكلفة والمستهدف ونسب التنفيذ والتشغيل والعائد، ويتيح للمواطن والمتخصص متابعة النتائج بمرور الوقت، بحيث يصبح التقرير أداة لإدارة الموارد وتحسين القرار وتصحيح المسار، وليس مجرد وثيقة لعرض ما تحقق في الماضي.
وربما تكون هذه هي النقلة المطلوبة في المرحلة المقبلة: من اقتصاد بناء الأصول إلى اقتصاد تشغيل الأصول، ومن قياس الإنفاق إلى قياس العائد، ومن عدّ المشروعات إلى قياس أثرها، فالمشروع العام لا ينبغي أن ينتهي عند لحظة افتتاحه، وإنما تبدأ عندها أهم مرحلة في حياته الاقتصادية.
في 2018 كانت الرسالة الأساسية: هذه هي حكاية ما أنجزناه. وفي 2023 أضيف إليها: هذه هي الرؤية وما تحقق منها، أما بعد المؤتمر الاقتصادي والحوار الوطني وما طرحاه من نقاشات حول الأولويات والسياسات، فإن سؤال أكتوبر يمكن أن يكون أكثر مباشرة: ما الذي أصبح هذا الإنجاز ينتجه؟
هذه ليست مطالبة بتغيير الرواية، وإنما باستكمالها. فبعد أن عرفنا ماذا بنينا، وكيف بنيناه، وكم أنفقنا عليه، حان الوقت لنعرف بقدر أكبر من الدقة: ماذا شغّلنا؟ ماذا أنتجنا؟ ماذا أضفنا؟ ومن استفاد؟
وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للانتقال من «حكاية وطن» إلى «حساب وطن».






















