في كل مرة تُطرح فيها الأسئلة حول أسباب التدهور الاقتصادي وتراجع مستويات المعيشة واتساع دائرة الفقر والدين العام، يُعاد تقديم الإجابة ذاتها: الظروف الدولية، الأزمات الإقليمية، تداعيات الحروب، أو زيادة عدد السكان. لكن الحقيقة التي باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى هي أن الأزمة المصرية ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة وحوكمة وسياسة.
لا يمكن إنكار أن الدولة شهدت خلال السنوات الماضية تنفيذ عدد من مشروعات البنية الأساسية الكبرى في مجالات الطرق والكباري والطاقة والموانئ والعمران. وهي مشروعات يمكن البناء عليها مستقبلاً إذا أُحسن توظيفها ضمن رؤية تنموية متكاملة وهو ما دفعني شخصيا لكاتبة عدة مقالات بهدف وضع مجموعة من الإضاءات بهدف المساهمة في البناء بتناول أزمة الديون في مصر قراءة تحليلية ,الاقتصاد غيرالرسمي ، الموارد البشرية ثروة مهدرة ، الي الاقتصاد الريعي في مصر واخير حلم اتمني تحقيقة من القاهرة الي كيب تاون حلم هل نعود عبره الي قلب افريقيا وايضا الدور الافريقي لمصر ومقومات التحول الي الدور الأفريقي لمصر: مقومات التحول إلى محور تجاري ولوجستي للقارة والعالم. غير أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب البيئة السياسية والمؤسسية القادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى نمو اقتصادي مستدام وعدالة اجتماعية حقيقية.
يرى بعض الباحثين أن الاعتبارات الأمنية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في صنع القرار، ومن هنا نشأ التباين الصارخ بين بعض النجاحات التنفيذية في البنية التحتية والنجاحات المتحققة في الملفات الخارجية خاصة وقوف مصر حجر عثرة في وجه الرغبة الاسرائيلية الأمريكية لتهجير الفلسطينيين الي سيناء ونجاح القيادة السياسية المصرية في ادارة ملف تداعيات الحرب الامريكية الاسرائيلية علي ايران علي دول الخليج وبين الأداء الاقتصادي المتراجع والارتباك السياسي في إدارة الملفات الداخلية.
غياب وحدة الموازنة: تعدد المراكز المالية يضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية
يُعد مبدأ وحدة الموازنة أحد المبادئ الأساسية للإدارة المالية العامة، ويقضي بأن تُدرج جميع الإيرادات والنفقات العامة ضمن إطار مالي موحد يتيح التخطيط الشامل والرقابة والمساءلة. غير أن الواقع المالي في مصر يتسم بوجود الموازنة العامة إلى جانب عدد من الهيئات الاقتصادية والصناديق والحسابات الخاصة التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلال المالي والإداري، وتخضع لأطر تنظيمية ورقابية تختلف من كيان إلى آخر. ورغم أن هذه الجهات ليست خارج الدولة، كما أنها تخضع في الأصل للقوانين المنظمة ولأشكال مختلفة من الرقابة، بما في ذلك رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة البرلمانية في الحدود التي يرسمها القانون، فإن تعدد المراكز المالية وتفاوت مستويات الإفصاح والشفافية بينها يحدّ من تحقيق التكامل الكامل للموازنة العامة، ويجعل تكوين صورة شاملة ودقيقة عن جميع الموارد والاستخدامات المالية للدولة أكثر صعوبة. ويترتب على ذلك تعقيد عملية التخطيط الاقتصادي، وإضعاف كفاءة تخصيص الموارد، وصعوبة تقييم الأداء المالي على نحو متكامل، كما يزيد من تحديات مساءلة الجهات المختلفة وتحديد المسؤوليات بوضوح. ومن ثم، فإن القضية لا تتمثل في غياب الرقابة أو خروج هذه الكيانات عن الإطار القانوني، وإنما في الحاجة إلى تعزيز وحدة الإطار المالي للدولة، ورفع مستويات الإفصاح والشفافية، وتطوير آليات دمج البيانات المالية بما يتيح إدارة اقتصادية أكثر اتساقًا وكفاءة، ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في إدارة المال العام.
الشفافية ليست ترفاً سياسياً
الشفافية ليست ترفاً سياسياً ولا مجرد شعار إصلاحي يُرفع في الخطابات الرسمية، بل هي شرط أساسي لبقاء الدول وقدرتها على بناء اقتصاد حديث ومستدام. فلا توجد دولة حققت نجاحاً اقتصادياً حقيقياً في العصر الحديث دون أن تؤسس منظومة واضحة وشفافة لتداول المعلومات والبيانات واتخاذ القرار، لأن الثقة الاقتصادية لا تُفرض بالقوانين ولا تُصنع بالدعاية، وإنما تُبنى بالمصارحة والإفصاح. فالمستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى بيانات دقيقة حول حجم الدين العام وهيكل الإنفاق وأولويات الاستثمار والعائد الفعلي للمشروعات الكبرى حتى يتمكن من تقييم المخاطر واتخاذ قراراته على أسس موضوعية، كما يحتاج المواطن إلى معرفة الحقائق لتقييم أداء الحكومة ومحاسبتها، ويحتاج البرلمان إلى المعلومات الكاملة لممارسة دوره الرقابي. غير أن المشكلة تبدأ حين تصبح المعلومات الاقتصادية الأساسية محل جدل وتقديرات متضاربة، وحين تتقلص مساحات النقاش العام والنقد المؤسسي، فتتحول القرارات الاقتصادية الكبرى إلى ملفات مغلقة تُتخذ بعيداً عن الرقابة المجتمعية والتقييم المستقل. وفي هذه الحالة لا يؤدي غياب الشفافية إلى تراجع الثقة فقط، بل يحرم الدولة نفسها من التغذية الراجعة الضرورية لتصحيح الأخطاء ومراجعة السياسات قبل تفاقم آثارها. فالدول لا تتقدم بإنكار المشكلات أو حجب المعلومات، وإنما بالاعتراف بالحقائق وإخضاع السياسات العامة للتقييم المستمر والمساءلة. وعندما تغيب الشفافية، يصبح من الصعب على المستثمر تقدير المخاطر، وعلى المواطن تقييم النتائج، وعلى المؤسسات الرقابية القيام بواجبها، فتتخذ الدولة قرارات مصيرية تمس حاضر المجتمع ومستقبله دون أن تقدم تفسيراً كافياً لأسبابها أو تكلفتها أو عوائدها الحقيقية، وهو ما يضعف الثقة ويقوض أسس التنمية الاقتصادية الرشيدة.
الإدارة العلمية للاقتصاد لا تُختزل في الانضباط
الأزمات الاقتصادية لا تُعالج بالشعارات ولا بالقرارات المفاجئة، كما أن الاقتصاد لا يُدار بمنطق الأوامر المباشرة أو التعبئة المستمرة، والاقتصاد بطبيعته أكثر تعقيداً من أن يُختزل في معادلات الطاعة والانضباط. فالإدارة الاقتصادية الرشيدة تقوم على مؤسسات قوية، وخبرات متخصصة، وتعدد مراكز المعرفة، والنقاش المؤسسي المفتوح، ووضع السياسات على أساس دراسات الجدوى والأولويات الوطنية الحقيقية، لا على أساس الرغبة في تحقيق إنجازات سريعة أو فرض تصورات مركزية غير خاضعة للمراجعة. وعندما تتراجع اعتبارات الكفاءة والتخصص والمنافسة لصالح اعتبارات السيطرة والولاء والضبط الإداري، فإن جودة القرار الاقتصادي تتراجع بالضرورة مهما توفرت الموارد أو حسنت النوايا.
وقد شهدت السنوات الأخيرة توجيه موارد مالية هائلة نحو مشروعات ضخمة جرى تنفيذها بوتيرة متسارعة، في ظل غياب نقاش مجتمعي ومؤسسي كافٍ حول أولويات الإنفاق العام، والعائد الاقتصادي المتوقع، وكلفة الفرصة البديلة المترتبة على تخصيص هذه الموارد. وكان من الأجدر أن يحظى دعم الإنتاج الصناعي والزراعي، وتعزيز القدرة التصديرية، وتحسين بيئة الاستثمار والأعمال، وتطوير التعليم والصحة، بنصيب أكبر من الاهتمام والموارد، باعتبارها الركائز الأساسية لأي تنمية مستدامة وقادرة على خلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كثيراً من هذه المشروعات لم تكن بلا مبررات أو دوافع استراتيجية، بل جاءت استجابة لاعتبارات تتعلق بالبنية التحتية والتوسع العمراني وتحسين كفاءة بعض الخدمات العامة. غير أن النقاش الحقيقي اليوم لم يعد يدور حول جدوى ما أُنجز في الماضي بقدر ما يدور حول كيفية تعظيم العائد منه. فبعد أن أُنفقت الموارد وتم تنفيذ المشروعات، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة البناء المادي إلى مرحلة البناء الاقتصادي، عبر توظيف هذه الأصول في دعم الإنتاج والاستثمار والتصدير وخلق فرص العمل. فامتلاك المزيد من الطرق أو المدن الجديدة لا يمثل في حد ذاته مؤشراً كافياً على النجاح الاقتصادي إذا لم يتحول إلى منصة لنمو إنتاجي حقيقي ومعالجة للاختلالات الهيكلية التي تعيق الاقتصاد الوطني. إن التحدي لم يعد في تشييد المشروعات، بل في حسن استثمارها، لأن الاقتصاد لا يُدار بمنطق الأوامر، وإنما بمنطق الكفاءة والمنافسة والابتكار وجذب الاستثمارات وتحقيق أعلى عائد ممكن من الموارد المتاحة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الدولة على البناء على ما تحقق وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة يشعر بها المواطن في مستوى معيشته وفرصه ومستقبل أبنائه.
فراغ سياسي مقصود والحزب الوطني لم يمت… بل جرى تفتيته
إن أخطر ما يواجه الحياة السياسية اليوم ليس غياب الأحزاب فقط، بل استمرار العقلية التي أفرغت العمل الحزبي من مضمونه لعقود طويلة. فالحزب الوطني الديمقراطي ربما اختفى من الناحية القانونية والتنظيمية، لكن كثيرًا من شبكاته ونمط تفكيره وآليات عمله ما زالت حاضرة ومؤثرة داخل المشهد العام. لقد جرى حل الكيان، بينما بقيت الثقافة السياسية التي أنتجها، وانتقل عدد كبير من كوادره ومصالحه وعلاقاته إلى تشكيلات حزبية متعددة تحمل أسماء مختلفة لكنها تؤدي الوظيفة ذاتها. ومن هنا تبدو التعددية القائمة أقرب إلى إعادة توزيع للنفوذ القديم منها إلى تأسيس حياة سياسية جديدة؛ فتقسيم الميراث على أربعة أو خمسة أحزاب لا يصنع معارضة حقيقية ولا يخلق تنافسًا سياسيًا جادًا، تمامًا كما أن تعدد اللافتات المعلقة على المبنى نفسه لا يعني وجود مؤسسات مستقلة داخله. والنتيجة أن المجال العام يبقى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الوجوه والأفكار والأساليب ذاتها، بينما تغيب الأحزاب القادرة على تقديم بدائل وبرامج مختلفة، وتفقد الدولة واحدة من أهم أدوات تصحيح المسار وكشف الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر. فغياب السياسة الحقيقية لا يصنع استقرارًا دائمًا، بل يراكم الاحتقان ويؤجل الانفجار، ويجعل أي حديث عن إصلاح مستدام حديثًا منقوصًا ما دام المجال السياسي محكومًا بإعادة إنتاج الماضي تحت مسميات جديدة.
برلمان بلا شرعية سياسية
لا تستمد البرلمانات قوتها الحقيقية من النصوص الدستورية أو الصلاحيات القانونية الممنوحة لها فحسب، بل من الشرعية السياسية التي تكتسبها عبر انتخابات حرة وتنافسية ونزيهة تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية، وتتيح تمثيلًا متوازنًا لمختلف التيارات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع. فالبرلمان لا يصبح مؤسسة مؤثرة وقادرة على ممارسة وظائفها الرقابية والتشريعية بمجرد وجوده القانوني، وإنما بقدر ما يحظى بثقة المواطنين وإيمانهم بأنه نتاج عملية سياسية سليمة ومفتوحة تضمن تكافؤ الفرص بين القوى المتنافسة.
ومن هذا المنظور، جاء مجلس النواب الحالي محاطًا بقدر كبير من الجدل السياسي منذ اللحظة الأولى لتكوينه. فقد سبقت الانتخابات ترتيبات سياسية واسعة النطاق شملت هندسة القوائم الانتخابية بصورة حدّت من فرص المنافسة الحقيقية، ورسخت هيمنة قوى بعينها على المشهد السياسي. كما رافقت العملية الانتخابية نفسها اتهامات متكررة بالتدخل والتوجيه وضعف التعددية وغياب التنافس الجاد في عدد كبير من الدوائر، الأمر الذي أثار شكوكًا واسعة حول مدى تعبير النتائج النهائية عن الإرادة الشعبية الحرة.
وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات أو حجمها الفعلي، فإن اتساع نطاق التشكيك في نزاهة العملية السياسية كان كافيًا لإلحاق ضرر بالغ بالشرعية السياسية للمجلس. فالشرعية لا تقوم فقط على استيفاء الإجراءات الدستورية والقانونية، وإنما على القبول المجتمعي والثقة العامة في سلامة المسار الذي أفرز المؤسسة. وعندما يولد البرلمان وسط أجواء من الشك وانعدام الثقة، فإنه يدخل الحياة السياسية فاقدًا لجزء مهم من رصيده المعنوي وقدرته على الادعاء بأنه الممثل الحقيقي للأمة.
ولهذا بدا المجلس، عاجزًا عن التحول إلى مركز حقيقي للرقابة والمساءلة أو إلى سلطة تشريعية مستقلة قادرة على مراجعة السياسات الحكومية ومحاسبة السلطة التنفيذية بصورة فعالة. فبدلًا من أن يكون ساحة للصراع السياسي المشروع بين الرؤى والبرامج المختلفة، ومؤسسة تفرض التوازن بين السلطات، ظهر في كثير من الأحيان كهيئة تميل إلى المصادقة على سياسات الحكومة أكثر من مساءلتها، وإلى تمرير التشريعات أكثر من إخضاعها لنقاشات سياسية ومجتمعية عميقة.
إن البرلمان الذي يفتقر إلى الشرعية السياسية الكافية يفقد تدريجيًا قدرته على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم، كما تتراجع مكانته في الوعي العام باعتباره أداة للتغيير أو قناة للتعبير عن المطالب الشعبية. وعندما يحدث ذلك، لا تقتصر الخسارة على المؤسسة التشريعية وحدها، بل تمتد إلى الدولة بأكملها، إذ تفقد إحدى أهم آليات التصحيح الذاتي والمحاسبة والتوازن المؤسسي. فغياب برلمان قوي ومستقل وذي شرعية شعبية حقيقية يؤدي إلى تركيز السلطة في يد الجهاز التنفيذي، وإضعاف الرقابة الديمقراطية، وإغلاق المجال العام أمام المنافسة السياسية السلمية، بما ينعكس سلبًا على جودة السياسات العامة واستقرار النظام السياسي على المدى الطويل.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة تشييد الأصول إلى مرحلة بناء المؤسسات. فالمشروعات، مهما بلغت ضخامتها، لا تستطيع وحدها تحقيق التنمية إذا لم تُدار داخل منظومة تقوم على الشفافية، ووحدة الرؤية المالية، وكفاءة الإدارة، والمساءلة، والتنافس السياسي الحقيقي. إن الاقتصاد لا ينمو بالإنفاق وحده، بل بقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى إنتاج، والاستثمارات إلى قيمة مضافة، والثقة إلى دافع للاستثمار والعمل والإبداع.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مصر اليوم لا يكمن في تشخيص الأزمات، بل في امتلاك الإرادة لتبني إصلاح مؤسسي وسياسي يواكب ما تحقق من إنجازات مادية، ويجعلها أساسًا لنمو مستدام وعدالة اجتماعية أوسع. فالدول لا تُقاس بما تشيده من طرق ومدن فقط، وإنما بما تبنيه من مؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها، وإدارة مواردها بكفاءة، وإتاحة المجال للمساءلة والمشاركة والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح المشروعات الكبرى رافعة حقيقية للتنمية، ويصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وتتحول الإنجازات المادية إلى رخاء يشعر به المواطن في حياته اليومية. أما إذا ظل الإصلاح المؤسسي متأخرًا عن وتيرة البناء، فستبقى الفجوة قائمة بين ما يُنجز على الأرض وما ينعكس في مستوى المعيشة وجودة الحياة، وهو ما يجعل الإصلاح المؤسسي والسياسي ليس خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية لضمان استدامة التنمية وحماية ما تحقق من إنجازات.
نرشح لك.. بسام الصواف يفتح النار على ثغرات العلاج على نفقة الدولة: نريد شفافية ومحاسبة لحماية حقوق المرضى


















