في زمن التحولات الكبرى، تتكشّف المعادن الحقيقية للدول والمجتمعات، وتظهر الفوارق بين خطاب وطني راسخ، وآخر هشّ تحركه الهواجس الطائفية والشكوك التاريخية. ليس من قبيل المصادفة أن نلاحظ غياب الخطاب المذهبي المذعور في مواقف القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدّمتها إيران، رغم كل ما يثار حولها من جدل ومواقف متباينة. فإيران، بحكم موقعها وتاريخها، تصوغ خطابها على قاعدة وطنية واستراتيجية، تنسجم فيها السياسة مع الميدان العسكري، وتعمل فيها المؤسسات بتنسيق وتكامل يحاكي السبائك الصلبة. بينما في العالم العربي، وفي قلبه الجريح، يتصدر المشهد صوت الهويات المأزومة التي تصرخ قبل أن تُفكر، وتستنفر قبل أن تتأكد، وتبكي قبل أن تتكلم.
ثمة فارق واضح بين الاعتزاز بالهوية كجسرٍ للحوار والانفتاح، وبين الغرق فيها كمتراس ضد العالم. في العالم العربي، تغلّبت الهويات المغلقة على فكرة الدولة، وتحوّل بعض الفاعلين إلى أوصياء على الطائفة لا على الشعب، وعلى الطقوس لا على القيم. نسمع شعارات مثل “الشيعة في خطر” أو “الإسلام مستهدف” تُردَّد كلما انقطعت الكهرباء أو وقع انفجار في شارع، أو حتى عند جدل حول فستان فنانة أو عملية تجميل لمرشح من المال السياسي ،،.
وفي قلب هذه الإشكالية، تبرز مصر كحالة فريدة، فهي سنتر الجغرافيا، وقلب العروبة التاريخي، وعقلها الحضاري. وإيران، من موقعها، تمثل بعدًا استراتيجيًا وعمقًا حيويًا للأمن القومي المصري من ناحية الشرق، وليس من الحكمة الجيوسياسية أو الذاكرة التاريخية أن يتم النظر إليها بعدسة طائفية ضيقة. فمصر، التي كان جوهر الصقلي أحد رجالاتها، والفاطميون إحدى دولها، لم تعرف يومًا الصراع على الهوية المذهبية، لأننا ببساطة “شيعة الهوية وسُنّة المذهب”، كما يصف بعض الباحثين. طبائعنا التراثية تشكّلت في ظل الفاطميين الذين شيّدوا الأزهر الشريف، ورفعوا مقامات آل البيت في قلوب الناس قبل أن تُرفع حجارتها على الأرض.
بل إن كثيرًا من مقامات آل البيت، ومساجدهم، وتقاليد الاحتفاء بهم، لا تزال حتى اليوم حيّة نابضة في وجدان المصريين. واللافت أن هذا الوجدان الشعبي المصري بات يلتقي، من حيث لا يدري، مع الشعب الإيراني، الذي يضع آل البيت في صلب انتمائه الديني والعاطفي. وقد رأينا منذ اندلاع المواجهات الإقليمية الأخيرة، كيف عبّر قطاع واسع من عامة المصريين، في القرى والنجوع والمقاهي، عن تعاطفهم مع الخطاب الإيراني المقاوم، ربما دون وعي أيديولوجي، وإنما من منطلق شعبي–وجداني–أخلاقي يكره الذل ويقدّر الموقف الصلب….،
ورغم بعض التحفظات التي تبديها تيارات أصولية داخل مصر – وهي تيارات تُغذّيها أيديولوجيا الوهابية ومشاريع النفوذ الموجهة – فإن هذه الأصوات تظل أقلية لا تعبر عن ضمير الأمة. بعضهم يذهب إلى حد اعتبار إيران أخطر من إسرائيل، وهو قول لا يصمد أمام التحليل الموضوعي، إذ لم تُلقِ إيران قنبلة واحدة على القاهرة، بينما تفعل إسرائيل كل يوم في غزة والضفة والجنوب اللبناني. هؤلاء لا يخشون إيران بقدر ما يخشون نموذجها، لأنها تملك مشروعًا، وتنهض من بين الركام، بينما هم غارقون في خطاب شك وتكفير وريبة، لا ينتج إلا العجز.
ولبنان، الجريح بطائفيته، مثال صارخ على ما تفعله الهويات الخائفة بالدولة. نظام المحاصصة الطائفية لم ينتج سوى شلل سياسي دائم، وأزمات اقتصادية خانقة، وانفجار اجتماعي متكرر، يُغذيه خطاب كل طائفة وهي تتوجس من الأخرى، دون أفق لدولة مدنية جامعة.
وفي العراق، رغم أن الشيعة يشكلون قرابة نصف السكان، لا تزال الهواجس تُستخدم لتبرير فشل الدولة، حيث تُختزل الأزمات المعقدة في شماعة “الاستهداف الطائفي”، رغم أن المتضرر الأول من انعدام الكفاءة والفساد هم ذاتهم من يزعم البعض تمثيلهم.
أما في سوريا، فقد سقطت الدولة في فخ خطاب الحماية الطائفية، وبدلاً من أن تواجه التحديات بمنظور وطني جامع، تحوّلت الطائفة إلى درع يحتمي به النظام، وتحول الشعب إلى ساحات اقتتال بين ولاءات متفرقة.
وفي بعض دول الخليج، ورغم الثراء المادي والاستقرار الظاهري، لا تزال الهويات الطائفية والقبلية تلاحق تشكيل القرار، وتخنق تطور المجتمع المدني.
هذا النمط من التفكير لا ينتج مشروعاً وطنياً، بل يعيد إنتاج الخوف، ويحول المخيلة الشعبية إلى أداة تعويم، حيث لا أحد يصدق شيئًا، ولا أحد يكترث بأي تهديد، مهما كان حقيقيًا. الإفراط في الطوارئ يقتل الإحساس بالخطر، والخوف المزمن يتحول إلى عُرف سياسي.
نجح الغرب، بدهاء استعماري معروف، في شيطنة إيران أمام الرأي العام العربي، مستخدمًا أدوات الإعلام والتحريض الطائفي، حتى تحولت إيران، لا إسرائيل، إلى العدو الأول في المخيلة السياسية العربية. ثم دفعوا صدام حسين إلى حرب استنزاف معها دامت ثماني سنوات، أحرقت الأخضر واليابس، ورغم أن الشيعة كانوا يشكلون قرابة نصف سكان العراق، فإن الحديث عن تهديد طائفي لم يكن مطروحًا حينها. فما الذي تغيّر الآن؟ ولماذا هذا الذعر من مجرد اسم أو شعار؟
أما إيران، فسواء اتفقت معها أو اختلفت، فإنها لا تبني خطابها على الهلع الطائفي، بل تقدمه في إطار قانوني وسياسي وإنساني أوسع، يخاطب قوى الشرق والجنوب، ويتقاطع مع قضايا التحرر والاستقلال ومقاومة الهيمنة. ولهذا يحظى خطابها، ولو شكليًا، بالاحترام في موسكو وبكين وإسلام أباد، بل وحتى لدى بعض الأصوات النقدية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، لأنه يقدّم نفسه كخطاب مقاومة، لا كمناحة دائمة.
في المقابل، يقف الخطاب العربي – الرسمي والشعبي – في مأزق مستمر. بعض الدول تضع إيران في خانة العدو المطلق، في حين يراها آخرون حليفة مخلصة، وكلا الطرفين ينظر بعين واحدة. هذه الرؤية الأحادية تمنع بناء موقف مستقل وموضوعي، يميّز بين التحالف والتبعية، وبين الشك المشروع والعداء العقيم.
لقد آن الأوان لنعترف أن جزءًا من مشكلتنا في العالم العربي ليس في “الآخر”، بل في “الذات” التي لم تتصالح بعد مع نفسها، ولم تحسم هويتها الكبرى، فتراها تعود كل مرة إلى هوياتها الصغرى، الطائفية والمناطقية والعشائرية، وتحتمي بها كأنها الملاذ الأخير.
الهويات الخائفة لا تصنع نهضة، ولا تبني وطنًا. أما الهويات الراسخة، فهي التي تثق بذاتها، وتتفاعل مع الآخر دون أن تنكسر، وتُعيد إنتاج ذاتها باستمرار دون أن تذوب. في زمن الأزمات، لا نحتاج إلى طقوس دفاعية، بل إلى رؤية عاقلة، تعيد ترتيب أولوياتنا، وتُخرجنا من حلقة الخوف المزمن.


















