الجفافُ الوجْدانِي، والتَّصحُّر العاطِفي، والشَّلَلُ الحسِّي أو انقطاع الوحي -كمَا يُطلق عليه البعض-هذا الذِي يُسوقُ الشَّاعِر ويُقيّده بعدَ مُدَّة وجيزِة من التدفُّق الشِّعرِي الخصيبِ، والكتابة السَيَّليّة في اندفاعِها من الدَّاخِل إلى الخارِج؛ ما هو إلَّا وقاية طبيعية من الاحتراقِ الذَّاتِي للشَّاعِر؛
هولدرلين كانَ من أعظم شُعراء الرُّومانسيّة في ألمانيا في القرنِ الثامن عشر؛ انتهَت حياتُه بالانهيارِ الذاتِي لأنَّه عقد الصَّفقة مع الشَّيطانِ؛ أسلمَ روحَه وعقلَه وقلبَه إلى الشِّعر، فانتَهى بِه الأمر مدَّة (36 عامًا) في بُرجِ صغير شبه مجنونٍ تحت رعاية أحد النجَّارين،
استسلمَ هولدرلين بالكامِل للشِّعر، يفكِّر بِه، يتنفَّسُ بِه، يرى العالمَ من خلالِ منظارِ الشعر وعدستِه فقط، ثمَّ ماذا حدث؟ انهيارٌ كامِل، تناقُض حاد بين جمال العالم الداخلي وقُبح الواقِع بالخارج، لقد حدَّق في الشَّمسِ مباشرةً وكان عليه فقط أن ينظر إلى أثرِها،
النتّيجة ذهبَ إلى عالم أفلاطون، في برج أحدِّ النجَّارين أواخر حياتِه في عزلةٍ، فكانَ يكره أن ينادِيه أحد باسمِه، فسمَّى نفسَه (سكاردانيلي) وفي أحايين أخرى (بوناروتا)، ولم يَكُن يوقِّع على قصائدِه باسمِه ولا بالاسمين المختارَين؛ بل بأسماء أشخاص أخرى مُستعارة! غير موجودة إلَّا في خيالِه! حتَّى التواريخ كانَ يعبثُ بِها ويرسلُها إلى خمسين سنة مضت أو يكتب تحتَها (مكتوبة بعد 100 سنة من وفاتي)،
انفصال كامِل عن هويّتِه؛ ولا أعلم هل هو من ماتَ في نظرهِ أم أنَّه آمنَ بهزليّة العالم وأنَّه لا بدَّ ألا يؤخذ على محملِ الجد! حتَّى طلابه بدا وكأنّه يحدّثهم برسميّة شديدة ساخرة، إذ يقول لأحدهم مرةً (جلالتكم)، ولآخر (قداستكم)، آلية روحية للدِّفاع عن النَّفس كأنّه يضع حدَّا فاصلًا بينَه وبين العالم الذي عرفَه وخذلَه واستعرَّ منه،
لذلك في ظنِّي الشّديد ذلك الجفاء الرّوحي الذي يعقبُ طوفان الشّعرية داخل القلب ما هو إلَّا آلية العقل الباطن لحفظ توازن الطاقات داخل الإنسانِ وذلك يشبه في جوهرِه آلية دفاع الدائرة الكهربائية في حال وصول تيار كهربائِي عالٍ تقوم بفصل الفيوز مباشرةً لحمايتها من التلفِ،
إذن الشّاعر أمام مفارقة في حُبِّه للحياةِ وإطلاقِه للطاقة الشعرية داخلَه التي بوجود هذا العلم لا شكَّ سوف تجرحُ روحَه كثيرًا وستقضم من سنواتِ حياتِه ما هو أكبر من نصيبِه منها.





















