قال الدكتور عماد جاد، المحلل السياسي ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن نهر النيل يُعد نهرًا دوليًا، وبالتالي تحكمه القوانين والاتفاقيات الدولية التي تنظم كيفية تقاسم الموارد المائية بما لا يضر بأي من الدول، وخاصة دول المصب.
جاد: النهر الذي يخترق حدود أكثر من دولة يصبح نهرًا دوليًا وتحكمه اتفاقات
وأوضح جاد خلال تصريحات خاصة لـ«الحرية»، أن النهر الذي يبدأ من دولة ثم يخرج خارج حدودها ويخترق أراضي دول أخرى يصبح نهرًا دوليًا، بخلاف النهر الداخلي الذي ينبع ويجري داخل حدود الدولة نفسها، مؤكدًا أن الأنهار الدولية تحكمها اتفاقات وقواعد تنظم استخدام مياهها.
وأشار إلى أن هناك سوابق إقليمية للتعامل مع الأنهار الدولية بمنطق القوة، مستشهدًا بما تفعله تركيا مع سوريا والعراق، قائلًا إن الأمر في هذه الحالة يتحول إلى مسألة قوة وفرض للأمر الواقع.
وتابع أن إثيوبيا استغلت كذلك أحداث عام 2011 في مصر وبدأت في بناء سد النهضة، ثم جاءت الخطوة الثالثة، وهي توقيع اتفاقية إعلان المبادئ عام 2015، والتي اعتبرها نقطة مهمة في الأزمة الحالية.
وأوضح جاد أن المادة السادسة من إعلان المبادئ تنص على أنه في حالة وجود خلاف بين الأطراف يتم الرجوع إلى رؤساء الدول الثلاث، أي أن الخلاف يُبحث من خلال اجتماع الأطراف، مشيرًا إلى أن هذا يختلف عن الآليات التي تضمنتها اتفاقية كامب ديفيد في قضية طابا.
وقال: «إحنا خدنا طابا إزاي؟ بأن كامب ديفيد فيها عنصر بيقول وفي حالة الخلاف تجري وساطة بواسطة طرف ثالث، وفي حال فشل الوساطة يلتزم الطرفان بالتوجه لمحكمة العدل الدولية»، موضحًا أن الخلاف حول طابا جرى أولًا من خلال وساطة أمريكية، وبعد عدم التوصل إلى حل تم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية التي حكمت بمصرية طابا.
وأكد أن اتفاق إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة لا يتضمن نصًا مماثلًا يسمح باللجوء إلى طرف ثالث أو محكمة العدل الدولية، معتبرًا أن ذلك جعل تحرك مصر في المحافل الدولية أكثر صعوبة، لأن الاتفاق ينص على جلوس الدول الثلاث معًا لحل الخلاف.
وأضاف: «إثيوبيا استغلت إعلان المبادئ، يعني لو ما كناش وقعنا إعلان المبادئ كنا ممكن نقول دي أنهار دولية وكذا وكذا وكذا»، موضحًا أن توقيع الاتفاق جعل إثيوبيا تتمسك بأن الخلاف يجب أن يُبحث بين الدول الثلاث، في الوقت الذي تتهرب فيه من التوصل إلى اتفاق ملزم.
جاد: الخطاب الإثيوبي تغير بعد تشغيل سد النهضة
وأشار جاد إلى أن الخطاب الإثيوبي تغير بصورة واضحة بعد تشغيل سد النهضة، موضحًا أن التصريحات الإثيوبية في البداية كانت تتحدث عن عدم الإضرار بمصالح مصر، بينما أصبحت التصريحات الأخيرة، بحسب وصفه، أكثر حدة، وتتحدث عن قدرة إثيوبيا على التحكم في مياه النيل وبناء المزيد من السدود.
وحذر من خطورة الحديث الإثيوبي عن إنشاء ثلاثة سدود جديدة على المجرى الرئيسي للنهر، وليس فقط على الأنهار المغذية له، معتبرًا أن بناء سدود على المجرى الرئيسي يمكن أن يؤدي إلى اقتطاع جزء كبير من حصة مصر من مياه النيل.
وتطرق إلى ما يُنسب إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن اعتبار مياه النيل «هبة من الله لإثيوبيا»، موضحًا أن هذا الطرح يعني التعامل مع المياه باعتبارها موردًا إثيوبيًا خالصًا لمجرد أن منابعها تقع داخل الأراضي الإثيوبية، وصولًا إلى فكرة أن الدول التي تحتاج إلى المياه يمكن أن تشتريها من إثيوبيا.
وشدد جاد على أن أزمة سد النهضة «معقدة جدًا جدًا»، لافتًا إلى أن إعلان المبادئ لم يُعرض على مجلس النواب المصري عام 2015، في حين أن آبي أحمد عرض الاتفاق على البرلمان الإثيوبي.
وقال إن عرض الاتفاق على البرلمان المصري كان يمكن أن يتيح للمتخصصين وأعضاء المجلس مناقشة بنوده والمطالبة بإضافة نص يسمح باللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو آلية تحكيم دولية عند نشوب خلاف بين الدول الثلاث.
وأوضح أن اكتمال بناء سد النهضة جعل الموقف المصري أكثر صعوبة، لأن السد أصبح أمرًا واقعًا داخل الأراضي الإثيوبية، وهو ما تستخدمه أديس أبابا في تقديم الأمر باعتباره مشروع تنمية داخل أراضيها.
جاد: تصعيد إثيوبيا قد يدفع مصر للخيار العسكري.. والمنطقة لا تحتمل مزيدًا من التوتر
وأضاف جاد أن التطورات الإقليمية المتلاحقة تزيد من تعقيد الموقف، قائلًا إن المنطقة تشهد أزمات وتوترات في لبنان وغزة وليبيا وسوريا والعراق والسودان، إلى جانب أزمة إيران والولايات المتحدة، وبالتالي لا تحظى أزمة سد النهضة بالأولوية الدولية الكافية.
واختتم جاد تصريحاته محذرًا من أن استمرار التصعيد الإثيوبي قد لا يترك أمام مصر سوى الخيار العسكري، مؤكدًا أن هذا الخيار يمثل خطرًا على المنطقة بأكملها، قائلا:«إحنا في موقف ربنا يعينا عليه».




















