في جغرافيا الصراع الممتد من غزة حتى مضيق هرمز، ومن مرافئ بيروت إلى سهوب آسيا الوسطى، يبدو أن إسرائيل ليست مجرد كيان عادي في معادلة الحرب والسلام، بل هي “العين التي لا تنام” في جسد الإمبراطورية الأمريكية…,
الهزيمة بالنسبة لإسرائيل ليست مجرد انتكاسة عسكرية أو تراجع تكتيكي، بل هي إعلان زوال، سقوط الرواية، وانهيار العقيدة التي بُنيت على فكرة “الخطر الوجودي”. لذا، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لا تترك هامشًا للانهزام…,,
العقيدة الأمنية الإسرائيلية: البقاء بالقوة أو الفناء..،
تستند العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى قناعة راسخة: أن أمن إسرائيل لا يتحقق إلا من خلال التفوق العسكري المطلق، والردع الاستباقي، واستنزاف الخصم نفسيًا وسياسيًا قبل عسكريًا. أي تهديد يُقابل برد قاسٍ وسريع، وأي تراخٍ يُنظر إليه كمدخل للانهيار. هذه ليست مبالغة بل مسألة وجود، لأن النخب السياسية والعسكرية في تل أبيب تعتقد أن الهزيمة تعني حرفيًا نهاية الدولة، وزوالها من الخريطة…،
ليست حربًا فقط… إنها منظومة
حين يُدفع بالحرب إلى حافة المجازر، وتشتعل سماء المنطقة بصواريخ لا تنام، لا تكون الغاية فقط تأمين تل أبيب. بل تتحرك منظومة كاملة: مصانع السلاح الأمريكية والأوروبية، لوبيات الضغط، شبكات الطاقة، والبنوك الكبرى. كل قذيفة تُطلق من الجنوب اللبناني، تُقابلها صفقة تسليح تُبرم في واشنطن أو برلين أو سيول. وكل دمعة فلسطينية تُراق، تقابلها دفعة مالية جديدة لتحديث القبة الحديدية…،،
فلسفة الصراع: من هرتزل إلى بايدن
يُخطئ من يظن أن إسرائيل دولة “محلية”. هي فكرة زرعها الغرب في قلب العالم الإسلامي، لتكون حارسًا على أبوابه ومفاتيح بحاره. هذه ليست فلسفة عسكرية فحسب، بل فلسفة وجود: “إذا ضعفت إسرائيل، دخلت أمريكا في غيبوبة النفوذ”.
وفي هذا، لا فرق بين إدارة بايدن أو ترامب، أو حتى الإدارات القادمة في بكين وموسكو. فالصراع اليوم لم يعد حول إسرائيل بقدر ما هو حول من يحكم الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.
استغلال ظرفي لصالح تفوق دائم
استغلت إسرائيل انشغال روسيا في أوكرانيا، وانقسام العالم على وقع تلك الحرب، وعرفت كيف توظّف الفراغ الاستراتيجي الناتج عن تراجع موسكو عن مشهد الشرق الأوسط. في ظل انغماس روسيا، وتكالب حلف الناتو على دعم أوكرانيا، باتت إسرائيل تتحرك بحرية أكبر في الأجواء السورية، وتمارس أقصى حدود القوة دون أي اعتراض يُذكر.
أما الصين، فبرغم صعودها، لا تزال تمارس دبلوماسية الصمت والتوازن، دون مشروع مواجهة، ما يترك لإسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك في ظل غياب ردع مضاد…،
متى يفهم حكّام العرب..؟
في كل مرة تنفجر فيها الحرب، يتسابق القادة العرب إلى إصدار بيانات الشجب، ثم يلتفتون إلى الداخل يلاحقون “عدوًا خفيًا”. لم يدركوا بعد أن إسرائيل بالنسبة للغرب “الابن المدلل” الذي لا يُسقط، مهما بلغت خطاياه…،
بل لعلّهم يدركون، لكنهم يفضلون دفن الرأس في رمال اتفاقيات السلام، والهدن المؤقتة، و”المبادرات الإنسانية”. في حين أن الشعوب باتت تدرك الحقيقة: أن المعركة ليست فقط مع إسرائيل، بل مع نظام دولي لا يمانع من طحن الأبرياء مقابل تأمين البترول والممرات والهيمنة…،
أخيرًا: وعي الشعوب هو بداية الهزيمة الحقيقية للمشروع
لا نُطالب بالعداء العبثي، ولا بالدماء المجانية، ولكن بالوعي الاستراتيجي. فهزيمة إسرائيل لن تكون في ميدان عسكري فقط، بل في كسر وظيفتها في المشروع الإمبراطوري الغربي، وعبر بناء استقلال عربي حقيقي، يملك قراره وسيادته وخريطته.
حينها فقط، تتوقف إسرائيل عن أن تكون “العين التي لا تنام”، ونستيقظ نحن من سباتنا الطويل….!
–






















