حين يعلن رئيس جامعة القاهرة أن منظومة الطلاب الوافدين حققت قرابة 8 ملايين دولار خلال الفترة الماضية، ويُطرح الرقم بإعتباره أحد مؤشرات النجاح وتعظيم الموارد، يصبح من حق المجتمع أن يتوقف قليلًا أمام السؤال الأهم:
ما الذي نعتبره إنجازا حقيقيا للجامعة؟ وما المعايير التي نقيس بها نجاح مؤسسة بحجم وتاريخ جامعة القاهرة؟
و لا خلاف على أهمية إستقطاب الطلاب الوافدين، ولا على ضرورة انفتاح الجامعات المصرية على العالم، ولا على حق المؤسسات التعليمية في تنمية مواردها وجذب العملة الأجنبية.
لكن هل تقاس قيمة الجامعة بما تحققه من إيرادات فقط؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر حين نضعه في سياق أوسع، تكشفه أرقام الإنفاق العام على التعليم . فوفقا للبيانات المنشورة ضمن «اللمحة الإحصائية – مصر 2026»، تراجعت نسبة مخصصات التعليم قبل الجامعي من إجمالي مصروفات الموازنة إلى نحو 3.7% في موازنة 2025/2026، مقابل 4.2% في العام السابق، رغم إرتفاع المخصصات من 163.8 إلى 169.1 مليار جنيه؛ إذ ارتفع إجمالي مصروفات الموازنة بوتيرة أكبر.
وهنا لا يصبح السؤال عن قدرة المؤسسات التعليمية على جذب الموارد سؤالًا ماليا فحسب، بل سؤالا عن ترتيب الأولويات:
كيف نحتفي بما تحققه المؤسسات من إيرادات، بينما تظل حصة التعليم قبل الجامعي من إجمالي الإنفاق محل تراجع؟ وكيف نضمن أن يكون الإستثمار في التعليم استثمارا في الإنسان، لا مجرد بند من بنود الحسابات؟
فالأرقام لا تقرأ منفصلة عن أثرها، ولا يكفي أن تزيد المخصصات بالجنيه إذا كانت حصتها من إجمالي الإنفاق تتراجع؛ لأن التعليم ليس عبئا على الموازنة، بل هو أحد المعايير التي يقاس بها مستقبل المجتمع وقدرته على النهوض.
أليس من الأولى أن يكون الحديث عن حجم ما أنجزته الجامعات في البحث العلمي الذي يرفع مكانتها؟ وعن الشراكات الحقيقية مع القطاع الخاص التي تحول المعرفة إلى إنتاج؟ وعن الإبتكارات البحثية التي تقدم حلولا لمشكلات المجتمع وتدعم الإقتصاد الوطني؟
هذه هي الوظيفة الحقيقية للجامعات؛ أن تنتج المعرفة، وتصنع المستقبل، وتفتح أبواب التقدم أمام المجتمع الذي أنشأها ومولها.
أما اختزال النجاح في أرقام الإيرادات، دون أن يصاحبه إهتمام مواز بجودة التعليم، وعدالة الفرص، وأولويات الإنفاق، ومردود هذه الموارد على العملية التعليمية، فهو اختزال يستحق التوقف والمراجعة.
فلسنا ضد أن تكون الجامعة المصرية وجهة تعليمية للطلاب من مختلف أنحاء العالم، بل إن ذلك يمكن أن يكون مصدرا لقوتها ومكانتها الدولية. لكننا في المقابل لا نقبل أن يتحول الدولار إلى معيار وحيد للنجاح، أو أن تتراجع قيمة الإستحقاق العلمي أمام القدرة المالية.
السؤال ليس فقط: كم حققت الجامعة من إيرادات؟ بل: هل تظل رسالتها العلمية والإنسانية هي البوصلة التي تحكم كل قراراتها؟
إن الجامعة المصرية ليست مشروعا تجاريا، ولا ينبغي أن تختزل رسالتها في تعظيم الإيرادات، مهما كانت أهمية الموارد المالية في استدامة المؤسسات وتطويرها. إنها مؤسسة وطنية بنيت على تاريخ طويل من العلم والمعرفة، ومن حق المجتمع أن تظل العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص جزءا أصيلا من رسالتها.
ومن هنا، فإن أي توسع في قبول الطلاب الوافدين، أو تطوير للبرامج التعليمية ذات المصروفات المختلفة، ينبغي أن يصاحبه وضوح كامل بشأن قواعد القبول ومعايير المفاضلة، بما يراعي حقوق الطلاب المصريين ويصون تكافؤ الفرص.
فإذا كان الطالب المصري المتفوق ينتظر فرصة تفتح له أبواب المستقبل، فمن حقه أن يجد منظومة تعليمية تضع كفاءته واستحقاقه في مقدمة الاعتبار.
ليس المطلوب أن نغلق أبواب جامعاتنا أمام العالم، بل أن نفتحها للعالم دون أن نغلق أبواب الأمل أمام أبنائنا المصريين.
وليس المطلوب أن نرفض جلب الدولار، بل أن نعيد وضعه في حجمه الطبيعي داخل معادلة أوسع، يكون العلم والبحث والإنسان في قلبها.
فالجامعة التي تعرف كيف تجذب المال، ينبغي أن تعرف أيضا كيف تصنع المعرفة، وتحمي الاستحقاق، وتستثمر في الإنسان.
إن مساءلة رئيس الجامعة عن رؤيته وأولوياته ليست انتقاصا من شخصه أو من المؤسسة التي يديرها، وإنما هي حق أصيل للمجتمع، وضرورة تفرضها طبيعة المنصب العام وحجم المسؤولية.
فالجامعة العريقة لا تقاس فقط بما تحققه من موارد، وإنما بما تخرجه للعالم من عقول، وما تقدمه لمجتمعها من حلول، وما تتيحه لأبنائها من فرص عادلة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل احتفاء بالأرقام هو:
هل نسير نحو جامعات أكثر قدرة على المنافسة العلمية، أم نحو مؤسسات تنشغل بتعظيم إيراداتها؟ وهل يمكن أن يتحقق الأمران معا دون أن تطغى الحسابات المالية على الرسالة التعليمية؟
إن الفرق بين الجامعة التي تصنع المستقبل، والجامعة التي تختزل رسالتها في الأرقام، هو الفرق نفسه بين مؤسسة تحمل رسالة، وأخرى تنشغل بعائدها.
لا نريد جامعة تغلق أبوابها أمام العالم، ولا جامعة تفتحها للدولار وتنسى أبناءها. نريد جامعة تعرف قيمة الإثنين، لكنها لا تنسى أبدا أن العلم هو رسالتها، والإنسان هو غايتها، والوطن هو مسؤوليتها.
فالأوطان لا تبنى بما تحصله مؤسساتها من أموال فقط، وإنما بما تمنحه لأبنائها من علم وعدالة وأمل.
والجامعة التي لا تجعل من أحلام أبنائها جزءا من حساب نجاحها، عليها أن تعيد النظر في معنى النجاح ذاته.






















