في الأمس، احتفل السيد عمرو موسى بعيد ميلاده التسعين. تسعون عاماً مرت على ميلاد رجل يعد واحداً من أبرز الدبلوماسيين المصريين والعرب، وواحداً من أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل والاحترام في آن واحد، لكن هذه المناسبة ليست مجرد احتفال بمسيرة رجل، بل هي فرصة للتأمل في لحظة تاريخية فارقة، وفرصة ضائعة، كان موسى بطلها الأول.
في عام ٢٠١٢، وبعد ثورة ٢٥ يناير، وقفت مصر أمام مفترق طرق حقيقي، فكان المشهد السياسي ثنائياً بشكل خانق، إما دولة يوليو بوجوهها المتعددة، وإما الإخوان بتنظيمهم الصارم ووعودهم الغامضة، وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، برز اسم عمرو موسى كبديل ثالث، لا هو من العسكر ولا هو من الإخوان، بل هو رجل دولة مدني، بخبرة تمتد لعقود في الخارجية المصرية والجامعة العربية.
كان موسى يمتلك ما لم يملكه غيره من المرشحين في تلك الانتخابات، فكان يعرف الدولة من الداخل، بأجهزتها وبيروقراطيتها وتفاصيلها المعقدة، وكان يعرف العالم من الخارج، بعلاقاته الدولية الواسعة، وباحتكاكه الطويل مع القادة والملوك والوزراء، لم يكن بحاجة إلى دورة تدريبية في الدبلوماسية، ولا إلى تعلم كيفية التعامل مع الأزمات الإقليمية، كان رجلاً “رئاسياً” بطبعه، وبدا وكأنه قد خُلق لهذا المنصب.
لكن الانتخابات الرئاسية المصرية لعام ٢٠١٢ لم تكن مجرد انتخابات، كانت لحظة تأسيسية، كان يمكن أن تنقل مصر إلى مسار مختلف تماماً، لو فاز عمرو موسى، لكانت مصر أمام تجربة مدنية حقيقية، يقودها رجل يعرف كيف يوازن بين متطلبات الداخل ومقتضيات الخارج، كان بإمكانه أن يبني جسوراً بين الدولة والمجتمع، وأن يعيد لمصر دورها الإقليمي بلا مغامرات ولا انكفاء، وأن يعيد للدولة هيبتها دون أن يقمع مواطنيها.
لكن المصريين -مع كامل الأسف- لم يختاروا موسى، فخرج خامساً بنحو ١١% من الأصوات، لم يخسر لأن الناس لا يعرفونه، بل لأنه كان الأكثر وضوحاً، في توقيت كان الاستقطاب الحاد دون التفكير والتدبر هو سيد الموقف بامتياز، فوجد كل معسكر في مرشح آخر تعبيراً أوضح عنه، الدولة القديمة وجدت شفيق، والإسلاميون وجدوا مرسي، وقطاعات الثورة وجدت حمدين وأبو الفتوح. أما موسى فكان مقبولاً لدى كثيرين، لكنه لم يكن معبراً صارخاً عن أي معسكر سوى المواطن المصري الطبيعي غير المستقطب.
وهنا تكمن المأساة، فلم تكن مأساة عمرو موسى الشخصية، بل كانت مأساة مصر. لأن خسارته لم تعن فقط ضياع فرصة رجل، بل ضياع فرصة بلد كامل، لقد أضعنا فرصة أن تجرب مصر للمرة الأولى انتقالاً مدنياً حقيقياً، يقوده رجل يعرف الدولة ويعرف العالم، بلا رتبة عسكرية ولا تنظيم ديني.
منذ ذلك اليوم، ومصر تتخبط بين ثنائيات قاتلة، ولو قارنا اللحظة الراهنة بما كان يمكن أن تكون عليه مصر لو فاز موسى، لأدركنا حجم الفرصة التي أهدرناها، فبخبرته الدبلوماسية، كان بإمكانه أن يعيد لمصر دورها في القضايا الإقليمية الكبرى، بلا مغامرات عسكرية ولا تبعية لأي قطب دولي، كان بإمكانه أن ينقل مصر من دائرة الاستقطاب الإقليمي إلى موقع الوسيط الموثوق، وبخبرته الإدارية، كان بإمكانه أن يصلح ما أفسده الفساد وسوء الإدارة من مؤسسات الدولة.
لكن التاريخ لا يعرف صيغة الشرطية، ما حدث قد حدث، وما ضاع قد ضاع. يبقى أن نتذكر، في عيد ميلاد الرجل التسعين، أن مصر أضاعت فرصة تاريخية، وأن الثمن كان باهظاً، وربما يكون الدرس الأهم هو أن الفرص لا تتكرر دائماً، وأن الانتخابات ليست مجرد لعبة أرقام، بل هي لحظات مصيرية تحدد مسار الأمم لعقود قادمة.
كل عام وأنت بخير يا أعظم من أنجبت السياسة المصرية في تاريخها المعاصر، وكل عام ومصر تنتظر فرصة جديدة، قد لا تأتي.






















