حين تتحول معايير الاختيار في المفاصل السياسية والحزبية والنيابية من “صلاحية العقل” إلى “سعة الجيب”، فإننا لا نرتكب خطأً عابراً، بل نؤسس لزلزال بنيوي يهدد عمق الدولة ومستقبلها.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في محطات الاقتراع وصناديق الانتخاب، بل تتجسد في خطيئة “الاختيارات ذاتها”؛ سواء داخل الهياكل الحزبية حين تُصنع القيادات وتُوزع المواقع، أو في هندسة المجالس النيابية (النواب والشيوخ) حيث يُهندس صعود النخب.
حين يصبح المال هو الناخب الأكبر والمعيار الأوحد في تزكية فلان وإقصاء علان، فإننا أمام عملية تدمير ممنهج تُدار ببرود لضمير الوطن السياسي.
إن هذه الاختيارات القائمة على التبرعات المشبوهة أو السخاء المالي المتبادل تؤدي حتماً إلى إزاحة قسرية لكل واعي ومدرك و”فاهم” لدور الموقع والتشريع.
فالكفاءة الوطنية، والرؤية السياسية الناضجة، والعقل المستنير الذي يفقه مصلحة العباد والبلاد، يجدون أنفسهم مطرودين من معادلة الاختيار لأنهم لا يملكون أثمان الصعود. وفي المقابل، تفتح أبواب القيادات الحزبية والمواقع البرلمانية على مصراعيها أمام “الجاهل الجهول”؛ ذلك الذي لا يملك من مقومات الإدارة أو الفهم سوى رصيد في المصارف وقدرة على الإنفاق الباذخ لتمويل حزب أو شراء نفوذ.
يتم اختيار هؤلاء لا لكفاءتهم، بل لقدرتهم على الدفع، لتتبدل معايير الاصطفاء الوطني بمواصفات “الملاءة المالية”.
إن تداعيات هذه الاختيار العقيم تنذر بخطر داهم على المدى القريب والبعيد؛ فعلى المدى القريب، تصبح الهياكل الحزبية والمجالس النيابية عاجزة عن إنتاج فكر حقيقي أو رقابة فاعلة، ويتحول الموقع الحزبي والنيابي إلى واجهة استثمارية لمن دفع الثمن، مما يفقدهم احترام الشارع وثقته. أما على المدى البعيد، فإن تمكين الجهلاء وأصحاب المصالح الضيقة من دفة القرار الحزبي والتشريعي يقود إلى انحدار جودة السياسات العامة، وتآكل كفاءة الدولة في مواجهة تحدياتها الكبرى.
إن إنقاذ مقدرات المجتمع المصري يبدأ حتماً بتطهير مسارات “الاختيار” وإعادة الاعتبار للشرف والكفاءة، لترفع الأحزاب والبرلمانات شعار: “الموقع لمن يستحقه فكراً ووطنيةً لا لمن يدفع ثمناً”.






















