لم تعد التقارير المتداولة في الصحف الأمريكية والإسرائيلية عن الاستعداد لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران مجرد تسريبات عابرة. فحين يتحدث الإعلام عن خطط لضرب مخازن الصواريخ والطائرات المسيرة ومنشآت الطاقة ومراكز القيادة، وعن استعدادات عسكرية أمريكية لاحتمال العودة إلى القتال، فإن المنطقة تكون أمام مرحلة شديدة الخطورة، حتى لو لم يصدر قرار نهائي ببدء الهجوم.
في التاسع من أكتوبر الجاري، نقلت تقارير صحفية عن صحيفة نيويورك تايمز أن وزارة الدفاع الأمريكية أعدت خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة على إيران قد تستمر ثلاثة أيام، تستهدف قدراتها الصاروخية ومنشآتها العسكرية وبعض مرافق الطاقة. وسبق ذلك تقرير لموقع أكسيوس تحدث عن توجيهات للقيادة المركزية الأمريكية باستكمال الاستعدادات لاحتمال استئناف العمليات العسكرية.
لكن المفارقة أن دونالد ترامب أعلن في الثامن من أكتوبر أن واشنطن لن تستأنف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، متحدثا في الوقت نفسه عن استمرار محادثات وصفها بالإيجابية. وهنا يبرز السؤال الحقيقي، هل نحن أمام قرار مؤجل بالحرب أم أمام مناورة سياسية وعسكرية هدفها انتزاع تنازلات من طهران قبل العودة إلى طاولة المفاوضات؟
الحرب خدعة.. والتصريحات ليست دائما ما تخفيه غرف العمليات
في حسابات الاستراتيجية، لا تعني الخطة العسكرية أن ساعة الصفر قد حُددت، لكنها تعني أن خيار القوة يجري إعداده ليكون جاهزا إذا فشلت الدبلوماسية. وقد تتحول الحشود العسكرية إلى وسيلة ضغط، وقد تصبح في لحظة ما مقدمة لهجوم فعلي، بحسب قرارات القيادة السياسية وتطورات الميدان.
يتحرك ترامب بين التهديد والتفاوض، بينما تواجه إدارته حسابات اقتصادية وسياسية معقدة. فارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الموارد العسكرية، ومخاطر اتساع المواجهة، كلها عوامل ترفع كلفة الحرب. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى فرض شروطها بشأن الملف النووي الإيراني والقدرات العسكرية لطهران.
ومن هنا لا تكفي التصريحات المتناقضة للحكم على ما سيحدث، بل يجب النظر إلى حركة القوات، وطبيعة الأهداف المطروحة، ومسار المفاوضات، وما إذا كانت الاستعدادات تتحول إلى قرار فعلي بالهجوم.
إسرائيل تبحث عن الحسم وإيران تملك أوراق الرد
بالنسبة إلى تل أبيب، لا يتعلق الصراع بالبرنامج النووي وحده، بل بقدرة إيران على الاحتفاظ بترسانة صاروخية وطائرات مسيرة تمنحها إمكانية الرد وتهديد العمق الإسرائيلي. ولهذا تظل احتمالات التنسيق العسكري الأمريكي الإسرائيلي موضع متابعة في التقارير المتداولة.
لكن أي هجوم جديد لن يضمن تحقيق الأهداف السياسية بمجرد تدمير بعض المنشآت. فإيران تستطيع الرد بوسائل متعددة، وقد تتحول الضربات المحدودة إلى مواجهة أوسع، خصوصا إذا استهدفت منشآت حيوية أو سقط عدد كبير من الضحايا. كما أن استمرار الحرب يضع القوات الأمريكية وقواعدها ومصالح حلفائها أمام مخاطر إضافية.
الخليج والبحر الأحمر في قلب العاصفة
الخطر لا يتوقف عند حدود إيران وإسرائيل. فمضيق هرمز يمثل شريانا رئيسيا لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع في الملاحة يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والاقتصاد العالمي. وفي البحر الأحمر وباب المندب، قد تتسع تداعيات التصعيد إذا دخلت أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة.
وهنا تجد الدول العربية نفسها أمام ضرورة حماية أمنها ومصالحها، ومنع تحول أراضيها وممراتها البحرية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
هل اقتربت ساعة الحرب؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأن قرارا نهائيا باستئناف الهجوم قد اتُّخذ. لكن إعداد الخطط العسكرية واستمرار التهديدات يعنيان أن احتمال التصعيد لا يمكن استبعاده، وأن المفاوضات تجري تحت ضغط القوة وفي ظل انعدام الثقة.
إن أخطر ما في هذه اللحظة هو الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تبدأ بقرار وتنتهي بقرار آخر. فالصواريخ قد تُطلق خلال دقائق، لكن احتواء نتائجها قد يستغرق شهورا أو سنوات.
الشرق الأوسط يقف أمام اختبار جديد، والسؤال ليس فقط من يملك القدرة على توجيه الضربة الأولى، بل من يستطيع تحمل نتائجها إذا خرجت المواجهة عن السيطرة. فطبول الحرب التي تدق في واشنطن وتل أبيب قد تكون أداة للضغط، لكنها قد تتحول أيضا إلى بداية جولة جديدة من النار، يدفع ثمنها الإقليم كله.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!

















