أكد الدكتور محمد رزق، عضو مجلس الشيوخ المصري، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل حدثًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مشيرًا إلى أن اختيار مصر كإحدى المحطات الرئيسية في تحركات الرئيس الصيني الخارجية يحمل دلالات مهمة بشأن الوزن السياسي والاستراتيجي للدولة المصرية في ظل عالم يشهد إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى.
محمد رزق: الزيارة تأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد
وقال رزق، إن الزيارة تأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتراجع فيها قدرة النظام الدولي التقليدي على إدارة أزمات العالم، وتتزايد فيها أهمية القوى الإقليمية القادرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف مراكز القوة، مؤكدا أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في الحفاظ على مساحة مستقلة للحركة السياسية، دون الانخراط في سياسة المحاور أو السماح بتحويل علاقاتها الدولية إلى أدوات للاستقطاب.
وأضاف محمد، أن القاهرة لا تنظر إلى بكين باعتبارها مجرد شريك اقتصادي، وإنما باعتبارها قوة دولية كبرى يمكن أن تشكل معها شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، خاصة أن العلاقات المصرية الصينية تجاوزت مرحلة العلاقات التقليدية وأصبحت تمتد إلى مجالات سياسية واقتصادية وتنموية وتكنولوجية واستراتيجية متعددة.
وشدد رزق، على أن الرسالة السياسية الأهم في زيارة الرئيس الصيني هي أن مصر أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في معادلة التوازنات الدولية الجديدة، بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها العربي والأفريقي، ودورها في أمن واستقرار المنطقة، فضلًا عن امتلاكها قناة السويس والمنطقة الاقتصادية وما تمثله من نقطة اتصال رئيسية بين الشرق والغرب.
وأوضح عضو مجلس الشيوخ، أن الشراكة المصرية الصينية يجب ألا تُقاس فقط بحجم المشروعات أو الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بقدرتها على تحقيق نقلة نوعية في بنية الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من نموذج “التجارة بين البلدين” إلى نموذج “الإنتاج المشترك والاستثمار والتصدير”.
وأشار رزق ، إلى أن الأرقام التجارية الحالية تكشف في الوقت نفسه عن ضرورة إعادة ضبط هيكل العلاقة الاقتصادية؛ فحجم التجارة بين مصر والصين بلغ نحو 11 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بينما يمثل العجز التجاري مع الصين نسبة كبيرة من عجز مصر التجاري، وهو ما يستدعي العمل على زيادة الصادرات المصرية، وتعميق التصنيع المحلي، وجذب استثمارات صينية تستهدف الإنتاج والتصدير وليس السوق المصرية فقط.
وأكد محمد، أن مصر تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية، مشيرًا إلى أن موقع مصر يمكن أن يجعلها قاعدة صناعية ولوجستية للشركات الصينية للوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، وهو ما يجب أن يكون أحد أهم الملفات على أجندة المرحلة المقبلة.
وقال رزق، إن السياسة والاقتصاد أصبحا وجهين لعملة واحدة في العلاقات الدولية، وإن قوة أي دولة في عالم اليوم لا تقاس فقط بحجم قوتها العسكرية أو السياسية، وإنما بقدرتها على تحويل علاقاتها الدولية إلى استثمارات وتكنولوجيا وفرص عمل وصادرات ونمو اقتصادي مستدام.
وأضاف عضو مجلس الشيوخ، ان هذه الزياره تستهدف تعظيم المصالح الوطنية المصرية من خلال الانفتاح على القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى، مع ضرورة أن تكون كل شراكة قائمة على قواعد واضحة تضمن نقل المعرفة والتكنولوجيا وتعظيم المكون المحلي وخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد المصري.
وشدد رزق، على أن مصر لا تستبدل محورًا بمحور، ولا تنقل تبعيتها من طرف إلى طرف، وإنما تبني شبكة واسعة من الشراكات الدولية وفق قاعدة واحدة: المصلحة الوطنية المصرية أولًا، معتبرًا أن هذا النهج هو الذي يمنح القاهرة القدرة على المناورة السياسية وحماية أمنها القومي وتعظيم قدرتها التفاوضية.
وأوضح رزق، أن تزامن الزيارة مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية يجعلها فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من الشراكة، لا تكتفي باستعادة قوة العلاقات التاريخية، وإنما تؤسس لعلاقة أكثر توازنًا وعمقًا تتناسب مع حجم التحديات والفرص التي يفرضها النظام الدولي الجديد.
واختتم الدكتور محمد رزق، بالتأكيد على أن “القاهرة اليوم لا تستقبل بكين من موقع الباحث عن دعم، وإنما من موقع الدولة التي تمتلك أوراق قوة ومصالح متبادلة وقدرة على التفاوض؛ ومصر حين تنوع شراكاتها لا تبتعد عن العالم، بل تصبح أكثر قدرة على إدارة علاقتها بالعالم من موقع الندية والاستقلال وصناعة القرار.”
اقرأ أيضا.. طارق النبراوي: زيارة الرئيس الصيني لمصر تعكس مكانتها المتنامية إقليميًا ودوليًا



















