مرّت خمسة أعوام على القرار الذي انتهى إلى “لا وجه لإقامة الدعوى” في القضية رقم 173 لسنة 2011، المعروفة إعلامياً بـ ” قضية المجتمع المدني “بعد حوالي 10 سنوات من الاتهام بلا ادلة والتحريض و التشويه والمنع.
كان يفترض أن يمثل هذا القرار نقطة فاصلة تطوي صفحة طويلة من القلق، وإنصاف من طالهم الاتهام، وفتح باب جديد لعلاقة أكثر اتزاناً بين الدولة والمجتمع المدني.
لكن مرور السنوات لا يكفي، وحده، لمحو آثار سنوات أطول من الاستهداف والشكوك والقيود. فالقضية لم تكن مجرد ملف قضائي شائك؛ لقد كانت تجربة قاسية تركت ندوباً في حياة أفراد، وأثرت في مؤسسات، وطرحت أسئلة عميقة حول مساحة العمل الأهلي، وحدود الحق في التنظيم، ودور المواطنين في خدمة مجتمعهم ووطنهم.
قضية بلا جدوى عامة
كانت القضية 173، في جوهرها، نموذجاً لإدارة ملف المجتمع المدني بمنطق الريبة أكثر من منطق الشراكة، فقد وُضع قطاع واسع من العاملين في الجمعيات والمبادرات الحقوقية والتنموية تحت ضغط متواصل، رغم أن كثيراً من هؤلاء لم يكن هدفهم سوى الإسهام في تحسين حياة المصريين و دعم الفئات الأكثر احتياجاً، وتمكين النساء، وتقديم الخدمات القانونية والاجتماعية، ونشر الوعي، وتطوير قدرات الشباب، والدفاع عن حقوق المواطنين في الصحة والتعليم والعمل والحياة الكريمة.
لم تكن المشكلة في حق الدولة في تنظيم التمويل أو ضمان الشفافية أو محاسبة من يخالف القانون فهذه واجبات أصيلة لا خلاف عليها. إنما المشكلة كانت في التوسع في الاشتباه، وخلط العمل العام المشروع بالتهديد، والنظر إلى كل صلة خارجية باعتبارها بالضرورة شبهة، بدلاً من التعامل معها ضمن قواعد واضحة وعادلة وشفافة.
لقد أُهدرت سنوات من عمر مؤسسات وأشخاص في إجراءات وتحقيقات وقيود على السفر وتجميد للأموال ومناخ من التخويف. كما تعطلت مشاريع ومبادرات كان يمكن أن تصل آثارها إلى مواطنين يحتاجون إليها. وفي النهاية، جاء قرار “لا وجه لإقامة الدعوى” ليؤكد أن هذا المسار لم يكن ضرورياً، وأن ما أُثير حوله من ضجيج لم يحقق مصلحة عامة توازي الأذى الذي خلّفه.
لم تكن أضرار القضية داخلية فقط. فقد تحولت إلى عنوان حاضر في النقاشات الدولية حول أوضاع الحريات والعمل الأهلي في مصر، وأصبحت مادة جاهزة للانتقاد والتجاذب السياسي، في وقت كانت مصر تحتاج فيه إلى تقديم صورة أكثر ثقة وانفتاحاً عن نفسها.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القواعد، بل بقدرتها أيضاً على التمييز بين الخطر الحقيقي والعمل المشروع، وعلى حماية مؤسساتها من دون أن تخنق المبادرات المجتمعية.
المجتمع المدني المستقل والمهني ليس خصماً للدولة، ولا بديلاً عنها؛ بل يمكن أن يكون شريكاً في اكتشاف المشكلات قبل تفاقمها، والوصول إلى الفئات التي لا تصل إليها الخدمات بسهولة، وطرح أفكار وحلول قد تفيد السياسات العامة.
لذلك فعندما يتحول العمل الأهلي إلى مساحة محفوفة بالخوف، فإن الخسارة لا تقع على العاملين فيه فقط، بل تقع على المجتمع كله. تخسر الدولة قنوات للاستماع المبكر إلى المواطنين، ويخسر المواطنون مؤسسات يمكن أن تساعدهم، ويخسر المجال العام تنوعه وحيويته وقدرته على إنتاج حلول واقعية.
لا يمكن إنكار أن تعديلات مهمة حدثت في الإطار القانوني المنظم للعمل الأهلي، وأن القانون الحالي جاء في بعض جوانبه أقل قسوة وتعقيداً من مراحل سابقة. وهذه خطوة مهمة ينبغي البناء عليها، لا التقليل من شأنها.
لكن تحسين النص القانوني لا يعني بالضرورة أن المناخ تحسن بالقدر نفسه. فالقانون، مهما كان جيداً، يحتاج إلى ممارسة إدارية منفتحة، وإلى ضمانات فعلية، وإلى ثقة متبادلة بين الجهات التنفيذية والمؤسسات الأهلية.
العمل الاهلي في مصر يحتاج إلى أن يشعر العاملون في المجال العام بأنهم قادرون على العمل والتخطيط والتمويل والتواصل والتعبير دون أن يظلوا تحت تهديد دائم أو حالة من عدم اليقين.
لا تزال هناك أسئلة معلقة حول سهولة إجراءات التسجيل، ووضوح قواعد التمويل، وسرعة الموافقات، ومساحة العمل ، وحرية الحركة والتواصل، وحق المؤسسات في أداء دورها الطبيعي من دون وصاية مفرطة.
كما أن الأثر النفسي لما حدث لا يمكن تجاوزه بقرار إداري أو تعديل تشريعي؛ فالخوف الذي تراكم عبر سنوات يحتاج إلى إجراءات جدية تعيد الطمأنينة والثقة.
بعد خمسة أعوام من «لا وجه لإقامة الدعوى»، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل أُغلقت القضية قانونياً؟ بل الأهم: هل أُغلقت آثارها السياسية والإنسانية والمؤسسية؟
ما زال مطلوباً إعادة الاعتبار المعنوي لكل من تضرر دون وجه حق. وما زال مطلوباً فتح حوار حقيقي مع العاملين في المجتمع المدني، لا باعتبارهم موضع اتهام، بل باعتبارهم مواطنين لديهم خبرة ميدانية ورغبة في خدمة بلدهم.
كما أن الدولة تحتاج إلى قواعد مستقرة ومعلنة، تطبق على الجميع، وتمنع المخالفات الحقيقية من دون أن تجعل العمل الأهلي نفسه في موضع شبهة دائمة.
إن مصر التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وصحية وبيئية كبيرة، تحتاج إلى كل طاقاتها. تحتاج إلى الدولة ومؤسساتها، وإلى القطاع الخاص، وإلى الجامعات، وإلى النقابات، وإلى الإعلام، وإلى المجتمع المدني. فلا تنمية مستدامة من دون مجتمع قادر على المبادرة، ولا استقرار حقيقي من دون مجال عام يسمح بالمشاركة، ولا صورة قوية لمصر من دون ثقة في مواطنيها ومؤسساتها.
الدرس الأهم من القضية 173 هو أن العدالة لا تكتمل بمجرد انتهاء الاتهام. العدالة تكتمل حين يُصلح الضرر، وحين تُستعاد الثقة، وحين يصبح من الصعب تكرار ما حدث مستقبلاً.
خمسة أعوام من «لا وجه لإقامة الدعوى» ينبغي أن تكون مناسبة للتذكير بأن مصر لا تحتاج إلى إدارة المجتمع بالخوف، بل بإتاحة المجال للمبادرة والمسؤولية والمشاركة. وأن حماية أمن الوطن لا تتعارض مع حماية المجال الأهلي، بل إن المجال الأهلي المنظم والشفاف والمستقل هو أحد مصادر القوة الوطنية.
لقد تم تصحيح جانب من المسار قانونياً، لكن تصحيح المناخ العام ما زال يحتاج إلى إرادة أوسع وخطوات أكثر وضوحاً. فالقضية قد تكون انتهت في الأوراق، لكن آثارها لن تنتهي فعلياً إلا عندما يصبح العمل من أجل تنمية حياة المصريين عملاً محل تقدير ودعم، لا محل اشتباه وعقاب.





















