يعد تعديل تعريفات المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في مصر خطوة تشريعية مهمة، ليس لأنها تغير أرقامًا فحسب، بل لأنها تعيد صياغة دور أحد أهم مكونات النشاط الاقتصادي في البلاد.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) تمثل 98% من قوام الشركات العاملة في القطاع الخاص المصري، وتشغل نحو 47 مليون عامل، وتسهم بحوالي 43% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقرير صادر عن Visa والمشهد يتوسع بسرعة على أرض الواقع.
لماذا كان التعريف القديم مشكلة؟
التعريفات السابقة للقانون كانت معتمدة على حدود حجم أعمال ورأس مال ثابتة ومن المرجح أنها نشأت في بيئة سعر صرف يتراوح حول 15 جنيه للدولار، قبل التدهور الكبير في قيمة العملة وزيادة التضخم خلال السنوات الماضية.
بسبب التغيّرات الاقتصادية، أصبحت الكثير من المشروعات التي نمت اسميًا خارج التعريفات القديمة، رغم أنها تظل صغيرة أو متوسطة من حيث الدور الاقتصادي والأثر الاجتماعي، وبالتالي فقدت حقها في الاستفادة من سياسات الدعم المقررة مثل تمويل الفائدة المخفضة 5%.
هذه النقطة لها تبعات واضحة:
- خروج هذه المشروعات من مظلة الدعم وزيادة تكاليف التمويل.
- تباطؤ توسّعها أو توقفه تمامًا
- عدم قدرتها على المنافسة في السوق.
- ارتفاع مخاطر الإغلاق الجماعي في أزمات اقتصادية.
ولأن هذه المشروعات تشكل النسبة الأكبر من النشاط الخاص، فإن خروجها من السوق في أوقات تقلبات اقتصادية يمهد لظهور مراكز احتكارية تتحكم في الأسعار والإنتاج، ما ينعكس لاحقًا على المستهلكين بزيادة الأسعار وتقلص الخيارات التنافسية.
أثر الأزمات الاقتصادية على المشروعات الصغيرة والمتوسطة:
أزمة الطلب، التضخم وارتفاع أسعار المدخلات في السنوات الأخيرة دفعت الكثير من الشركات الصغيرة إلى خفض الإنتاج، تقليص العمالة، بل وحتى الإغلاق في بعض الحالات، مما يقلّل من نطاق المنافسة في السوق ويفتح المجال أمام القوى الكبيرة لزيادة حصتها، وهو ما يخلق بيئة احتكارية مضرة للمستهلكين وللنمو الاقتصادي العام.
كما أظهر مؤشر مديري المشتريات أن القطاع الخاص غير النفطي ظل يشهد تراجعًا في الإنتاج والطلبيات نتيجة الضغوط الاقتصادية، مما يعكس هشاشة المشروعات الصغيرة والمتوسطة أمام الصدمات الاقتصادية.
أهمية التعديل الجديد:
التعديل الذي أقره مجلس الوزراء يسمح بتوسيع تعريفات المشروعات المتوسطة والصغيرة، مما يعيد إدماج عدد من المنشآت ضمن البيئة الداعمة.
كما يمنح القانون الجديدة مرونة للحكومة والبنك المركزي بإمكانية تعديل الحدود بنسبة تصل إلى 50% أو إضافة معايير جديدة حسب الظروف الاقتصادية، وهو أمر بالغ الأهمية في اقتصاد سريع التغير.
هذا التعديل لو استُثمر بشكل جيد قد يحقق:
- تحسين فرص الحصول على التمويل لمشروعات كانت محرومة سابقًا.
- زيادة قدرة هذه المشروعات على الصمود أمام الأزمات. 3. تعزيز التنافس في السوق وتقليل الاحتكار.
- تعزيز مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي وتشغيل الشباب.
معنى التعديل لصناعة المستقبل
إذا كانت مصر تسعى إلى زيادة حصة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، فلا بد أن تكون قاعدة الإنتاج المحلية عريضة ومزودة بتمويل ملائم وحوافز واضحة.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي حجر الزاوية في سلسلة القيمة الإنتاجية: فهي المورد للقطاعات الأكبر، وهي ملتقى العمالة والابتكار، وهي التي يمكن أن تشكّل قاعدة للصادرات المحلية.
وفي ظل تزايد تمويل هذا القطاع مؤخرًا، مثل النمو في أرصدة التمويل التي ارتفعت في 2025 إلى نحو 23.3 مليار جنيه وزيادة عدد المستفيدين بنحو 63%، يبدو أن هناك توجهًا ملموسًا لدعم القطاع، لكن هذا التمويل يجب أن يصاحبه بيئة تنظيمية مرنة تواكب الواقع الاقتصادي.
التعديل التشريعي في تعريفات المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر هو أكثر من مجرد إعادة أرقام.إنه تصحيح لخلل ناتج عن تغيرات سعر الصرف والتضخم، وضمان لاستمرار قاعدة الإنتاج المحلي ضمن منظومة الدعم.
لكن النجاح الحقيقي لهذا التعديل لن يقاس فقط بأثره القانوني، بل بقدرته على تعزيز تنافسية المشروعات المحلية، تقليل مخاطر الاحتكار، وتوسيع فرص العمل في القطاعات الإنتاجية الحيوية.


















