لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال العقود الأربعة الماضية علاقة عداء تقليدي بين دولتين، كما لم تكن في أي لحظة تحالفًا أو شراكة استراتيجية، بل إن كثيرًا من الباحثين في حقل العلاقات الدولية وصفوا هذه العلاقة بمفهوم مركب هو «الصراع المُدار»؛ أي الصراع الذي يستمر لفترة طويلة بين خصمين استراتيجيين، لكنه يبقى تحت سقف محسوب يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
غير أن التطورات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2025 دفعت هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة، حيث خرج الصراع من إطار إدارته التقليدية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، قد تكون بصدد إعادة تشكيل النظام السياسي في الشرق الأوسط بأكمله.
أولًا: ما هو «الصراع المُدار»؟
يشير مفهوم الصراع المُدار إلى حالة من الخصومة الاستراتيجية العميقة بين قوتين متنافستين، مع حرص كل طرف على إبقاء المواجهة تحت مستوى الحرب الشاملة.
في هذا النوع من العلاقات، تستخدم الدول أدوات متعددة للضغط على خصومها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة، مثل:
العقوبات الاقتصادية
الحروب بالوكالة
الضربات العسكرية المحدودة
الصراع الاستخباراتي
التفاوض السياسي في ملفات محددة
وقد عرف العالم هذا النموذج بوضوح خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث تنافس الطرفان عالميًا لعقود دون أن يتورطا في حرب مباشرة.
ثانيًا: العلاقة الأمريكية الإيرانية كنموذج للصراع المدار
منذ الثورة التي قادها الخميني عام 1979، دخلت إيران والولايات المتحدة في حالة عداء استراتيجي طويل الأمد. تمثلت أبرز مظاهره في:
العقوبات الاقتصادية الأمريكية على طهران
الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط
الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني
المواجهات غير المباشرة عبر الحلفاء الإقليميين
لكن، وعلى الرغم من هذا العداء العميق، شهدت العلاقة بين الطرفين لحظات تقاطع تكتيكي فرضتها اعتبارات المصالح والواقع الجيوسياسي.
-أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠٢ ساعدت إيران الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في إسقاط نظام طالبان، الذي كان بدوره خصمًا لطهران.
وخلال مؤتمر بون عام 2001 لعب الدبلوماسي الإيراني محمد ظريف دورًا مهمًا في التوصل إلى توافق حول تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة.
-العراق بعد 2003شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لحظة مفارقة تاريخية. فإسقاط نظام صدام حسين الذي كان الخصم الإقليمي الأول لإيران، أدى عمليًا إلى توسيع نفوذ طهران داخل العراق.
وبينما كانت واشنطن تعيد بناء النظام السياسي العراقي، كانت القوى السياسية القريبة من إيران تدخل إلى السلطة، ما خلق حالة تقاطع مصالح غير معلن بين الطرفين.
-الحرب على تنظيم داعش تكرر هذا المشهد مرة أخرى خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، حيث كانت الطائرات الأمريكية تضرب التنظيم من الجو، بينما تقاتل الميليشيات المدعومة من إيران على الأرض.
ورغم غياب أي تحالف رسمي، فإن الطرفين عملا عمليًا في اتجاه واحد.
ثالثًا: من الصراع المُدار إلى الحرب المنفلتة
ظل هذا النمط من الصراع قائمًا لعقود، حتى بدأت قواعده تتآكل تدريجيًا في السنوات الأخيرة. فقد أدت سلسلة من التطورات المتراكمة إلى رفع مستوى التصعيد بين الطرفين، أبرزها اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، وما تبعه من تصاعد التوتر في الإقليم.
لكن التحول الحاسم جاء بعد عام 2025، كتطور لتداعيات طوفان الأقصى 2023، انتقلت المواجهة من نمط الضربات المحدودة والحروب بالوكالة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة شملت عدة جبهات في الشرق الأوسط.
في هذه المرحلة لم يعد الصراع يدور عبر الوسطاء أو الوكلاء فقط، بل أصبح يتخذ شكل ضربات مباشرة بين أطراف الصراع، ما دفع العديد من الباحثين إلى وصف الوضع الجديد بأنه «صراع منفلت» خرج عن قواعد الإدارة التقليدية التي حكمته لعقود.
رابعًا: سيناريوهات ما بعد الحرب
السؤال الأهم الآن لا يتعلق فقط بمآلات الحرب الجارية، بل بالنظام الإقليمي الذي سيولد بعدها. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: تراجع النفوذ الإيراني إذا انتهت الحرب بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وشبكة حلفائها في المنطقة، فقد نشهد تراجعًا لنفوذ طهران في عدة ساحات مثل العراق ولبنان واليمن، وهو ما قد يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي لصالح المعسكر المدعوم من الولايات المتحدة.
السيناريو الثاني: صمود إيران وتكريس نظام إقليمي ثنائي القطبيةأما إذا نجحت إيران في الصمود والحفاظ على بنيتها العسكرية وشبكة حلفائها، فقد يتجه الشرق الأوسط نحو نظام إقليمي جديد يقوم على توازن بين محورين متنافسين، أحدهما تقوده إيران والآخر تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.
السيناريو الثالث: فوضى إقليمية ممتدةيبقى السيناريو الثالث، وربما الأخطر، هو أن تؤدي الحرب إلى إضعاف جميع الأطراف دون حسم واضح، ما يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، تتراجع فيها قدرة الدول المركزية على ضبط الإقليم لصالح صعود الفاعلين غير الدولتيين.
وأخيرا على مدى عقود طويلة نجحت واشنطن وطهران في إبقاء خصومتهما داخل إطار الصراع المُدار، حيث يتنافس الطرفان دون أن ينزلقا إلى حرب مباشرة واسعة، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المرحلة قد تكون انتهت بالفعل.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الحروب الكبرى لا تنهي الصراعات فقط، بل تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ لسنوات طويلة قادمة.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط اليوم ليس فقط من سينتصر في هذه الحرب، بل أي نظام إقليمي سيولد من رمادها.

















