المشكلة ليست أن العالم يظلم النساء، المشكلة أن العالم بُني أصلًا على افتراض أن هذا الظلم طبيعي.
ماذا لو اختفت النساء من العالم ليوم واحد فقط.. لن تتوقف الحياة لأننا نفتقد نصف السكان، بل لأننا سنكتشف فجأة أن النظام الذي نعيش فيه كان قائمًا على عمل لم يعترف به أبدًا.
تخيل المشهد.
بيوت لا أحد يدير تفاصيلها، أطفال بلا رعاية كافية، كبار سن بلا من يطمئن عليهم، مدارس ومستشفيات ومؤسسات اجتماعية تعاني نقصًا هائلًا في من يقومون بالأدوار الإنسانية اليومية.
فجأة سيكتشف العالم أن هناك طبقة كاملة من العمل كانت دائمًا موجودة.. لكنها لم تكن مرئية بما يكفي.
هذا ما تسميه بعض الأدبيات الاقتصادية اليوم “اقتصاد الرعاية” اقتصاد كامل يقوم على رعاية البشر: الأطفال، المرضى، كبار السن، والعلاقات الإنسانية التي تجعل المجتمع قابلًا للحياة، لكن المفارقة أن هذا الاقتصاد رغم أهميته، يكاد لا يظهر في الحسابات الرسمية للاقتصاد العالمي.
وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، تقوم النساء بحوالي 76% من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر عالميًا، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف ما يقوم به الرجال، ولو تم احتساب هذا العمل ضمن الاقتصاد العالمي تشير تقديرات متعددة إلى أن قيمته قد تصل إلى 10 تريليونات دولار سنويًا.
تخيل الرقم.
اقتصاد كامل بحجم تريليونات الدولارات.. يعمل في صمت.
والغريب انه في الوقت نفسه تشير بيانات سوق العمل إلى أن النساء ما زلن يحصلن عالميًا على أجور أقل بنحو 20% من الرجال، وفي السياسة لا تشغل النساء سوى حوالي 27% من مقاعد البرلمانات في العالم، وفي المناصب القيادية العليا داخل الشركات تقل النسبة عن ثلث الإجمالي.
وهنا يظهر السؤال الأعمق:
كيف يمكن لنصف المجتمع أن يتحمل هذا القدر من العمل.. ومع ذلك يظل أقل حضورًا في مواقع القرار؟
جزء كبير من الإجابة يعود إلى الطريقة التي صُمم بها الاقتصاد الحديث نفسه، الاقتصاد الذي نعرفه اليوم يمجّد الإنتاج المدفوع والأرباح والأسواق، لكن هذا الاقتصاد يعتمد في صمت علي شئ اخر وهو الاقتصاد الرعائي، الرعاية التي تبقي الأطفال أحياء حتى يصبحوا عمالًا في المستقبل، الرعاية التي تحافظ على صحة المجتمع، الرعاية التي تجعل البشر قادرين أصلًا على الاستمرار، ومع ذلك لا تُعامل هذه الرعاية كعمل اقتصادي حقيقي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
الاقتصاد الحديث يعتمد على الرعاية.. لكنه لا يدفع مقابلها.
يعتمد عليها.. لكنه لا يعترف بها.
يعتمد عليها.. لكنه يتوقع أن تقوم بها النساء بوصفها “دورًا طبيعيًا”.
لهذا السبب فإن قضية النساء ليست مجرد قضية مساواة في الأجور، وليست فقط قضية تمثيل سياسي، إنها في الحقيقة نافذة نرى من خلالها خللًا أعمق في الطريقة التي ننظم بها المجتمع والاقتصاد معًا.
خلل في توزيع العمل، وخلل في توزيع الفرص، وخلل في توزيع السلطة.
لهذا فإن اليوم العالمي للمرأة لا ينبغي أن يكون مجرد يوم للاحتفال بل يومًا لنطرح سؤالًا أكثر صدقًا:
ماذا لو بدأنا في إعادة تصميم العالم بطريقة تعترف فعلًا بكل العمل الذي يجعل الحياة ممكنة؟
عندها فقط.. لن يكون تمكين النساء مجرد قضية نسوية.
بل سيكون خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر عدالة.. واقتصاد أكثر إنسانية.




















