قصواء الخلالي تكتب: بتاريخ 12 فبراير الماضي، كتبت مقالًا تحليليًا بعنوان “اغتيال الاستقرار”، سأنشر رابطه أسفل هذا المقال، رصدت فيه بعض مناقشات ورؤى مراكز دراسات غربية تتحدث عن مفهوم الاستقرار المصري المناسب للرغبة الأمريكية والإسرائيلية، وعن طرح “بدائل للنظام المصري” الحالي بما يتناسب مع الرؤية المطلوبة.
ظل هذا الخطاب يتراوح بين تصاعد مساحات الطرح وترويجها، حتى قامت، أمس الأول، صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بنشر تحليل عن الموقف المصري، يتضمن ربطًا وتشبيهًا مباشرًا، في سياق مُتعسّف، بين موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومصير اغتيال الرئيس السادات، رحمه الله، في مقارنة شديدة العنف والغرابة.
أكدت الصحيفة ذاتها أن مصر تمر بحالة “عدم استقرار” كبيرة، وأن الرئيس السيسي يدرك جيدًا أن تحدي الرئيس الأمريكي ترامب سيكون ثمنه باهظًا.
إنها لغة خطاب صحفي تحليلي، تنقل رؤية شديدة الحدة، وتطرح خطابًا عنيفًا، أقرب إلى التحذير والتهديد، من صحيفة إنجليزية عملاقة تمثّل المصالح البريطانية مثل فايننشال تايمز. ومن المعلوم أن التلويح بكلمة “اغتيال” استباقيًا في الصحافة البريطانية لا يتم استخدامه في سياق سياسي دولي إلا لعلّة تم التوافق عليها داخل المؤسسة.
أما صحيفة الجارديان البريطانية، فقد نشرت منذ ساعات وصفًا غريبًا للرئيس السيسي، واصفة إياه بـ”الرئيس المصري المؤقت”، وقد نظر البعض إلى ذلك بصورة منفردة، ولكن عند قراءته تحليليًا، ضمن سياق الخطاب الصحفي والتحليلي الغربي والإسرائيلي الحالي، تظهر هذه الصيغة بصورة عدائية أكبر ضد مصر.
كذلك، قبل أكثر من شهر، نشرت الصحافة الإسرائيلية صورة للرئيس السيسي مع الرئيس الإيراني الراحل، الذي سقطت طائرته في عملية تشبه “الاغتيال”، وكانت الصورة مرفقة بخبر لا يمتّ بصلة لإيران، في سياق صحفي غير منطقي بالمرة.
كما تناولت الصحافة الإسرائيلية والغربية، خلال الأيام الماضية، تحليلات عن مواجهة محتملة بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي، وذُكر أن هناك “أحداثًا” تقع على الحدود المصرية الفلسطينية بين الجانبين، وقد تتطور مستقبلًا، وسط صمت الطرفين، وعدم رغبتهما في الإعلان عنها أو التعجيل بالمواجهة العسكرية، في تلويح واستنفار مستمر للصدام.
وتحدثت الصحافة الإسرائيلية والأمريكية عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يرسم حاليًا خريطة جديدة للشرق الأوسط على الأرض، متجاوزًا رغبات الرئيس الأمريكي ترامب في وقف إطلاق النار، مع إبداء انزعاج من الموقف المصري الرسمي، ومحاولات القاهرة تشكيل حشد دولي لدعم خطة إعادة الإعمار ووقف إطلاق النار في غزة.
كما عبّرت الأطراف الأمريكية والإسرائيلية عن انزعاجها الكامل من تحركات الجيش المصري في سيناء، وكررت مطالبتها الرسمية بتقليص القوة العسكرية والتسليح المصري هناك، واعتبرت عدم استجابة الرئيس السيسي لذلك انتهاكًا لاتفاقية “كامب ديفيد”، متجاهلةً الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة للمعاهدة.
أما مراكز الدراسات والتحليل التي ذكرتها في مقالي السابق، فقد تصاعد فيها الحديث في غرفها المفتوحة والمغلقة عن أن مصر تمر بمرحلة “مخاض” ستتماشى أكثر مع الرؤية الأمريكية، بدلاً من عدم التوافق مع النظام المصري الحالي، خصوصًا في موقفه من قضية إسرائيل وترامب الأهم، وهي “تهجير الفلسطينيين” وإخلاء غزة.
كما طُرحت تصورات للتعامل مع الوضع وتمرير المطلوب في حال وُجدت “بدائل للرئيس المصري” في حال حدوث أمر ما، في صياغة شديدة الغرابة، حيث يُعاد طرح سؤال: ماذا لو خرج السيسي من المشهد؟ ويمكن فهم ذلك عند تحليل خطاب الصحافة الغربية الذي أصبح معلنًا.
هذا التصاعد في خطاب العنف، من جانب القوى الغربية الناعمة، متمثّلةً في الصحافة والإعلام والتحليل المتحالف مع إسرائيل، إلى جانب ما يجري فعليًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في غزة،
وما نُشر عن تضرر الجانب القطري من بطء المفاوضات حول وقف إطلاق النار، وردود الفعل الإسرائيلية التي تُسرّع من تنفيذ خريطة نتنياهو التوسعية،
كل هذا يرسم مسارًا مزعجًا للمشهد الحالي، ولطبيعة الخطاب الموجّه ضد مصر، وتصويرها كدولة حادّة الخطاب، غير مستقرة.
إذًا؛ فالموقف يرفع درجات الاستعداد إلى أقصى حد، ويزيد الترقّب، ويستوجب الحرص التام، فالسطح الساخن يخفي أسفله مياهًا شديدة الغليان. والتكاتف الداخلي، والالتفاف حول الموقف المصري والقيادة المصرية، وتعزيز قوة الظهير الوطني، هو الحل الأوحد، في ظل ضغوط لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا،
وسط أطماع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في شرق أوسط يناسب توسعاته “بلا فلسطينيين”، وتطلعاته نحو سيناء، وتآلف دول كبرى مع رغباته، وصحافة تنطق بالتهديد والتحذير بما يخدم مصالحها،
ولا يبدو أن أحدًا، حتى الآن، قادر على كبح جماح هذه التطلعات أو إبطاء خطوات نتنياهو، لمنع صدامات أو خراب إقليمي محتمل، حتى حليفه الأمريكي دونالد ترامب، أصبح في نظر الصحافة الأمريكية ذاتها “تابعًا” له
اقرأ أيضا: عز الدين الهواري يكتب: إيباك الحكومة الخفية التي تقود العالم نحو الفوضى





















