ليس من السهل أن تختصر مصر في كلمة «سياحة». فمصر بلد تتجاور فيه الطبيعة والتاريخ والحياة اليومية، وتمنح زائرها تجارب مختلفة من مكان إلى آخر، بينما يظل الإنسان المصري جزءًا أساسيًا من الصورة.
وأحيانًا نعيش بجوار أشياء يتمنى آخرون أن يروها ولو مرة واحدة، فنعتاد وجودها إلى درجة أننا لا ندرك عظمتها. وقد يحتاج الإنسان إلى شخص يأتي من بعيد حتى يلفت انتباهه إلى قيمة ما أصبح بالنسبة إليه جزءًا عاديًا من الحياة.
وربما أدركت هذه الحقيقة لأول مرة وأنا طفلة.
وُلدت في الجيزة، وعشت طفولتي في منزل يطل على نهر النيل العظيم. كان النيل جزءًا من تفاصيل حياتي، وكانت الأماكن التاريخية المحيطة بنا جزءًا طبيعيًا من المشهد الذي اعتدنا عليه.
كان من الطبيعي أن نمشي على ضفاف النيل، وأن نذهب إلى أهرامات الجيزة وأبو الهول، أو إلى المتحف المصري في ميدان التحرير. لم أكن أتوقف كثيرًا أمام فكرة أن هذه الأماكن التي أراها ببساطة، يأتي إليها الناس من مختلف أنحاء العالم، ويسافرون آلاف الكيلومترات من أجل رؤيتها.
حتى جاءت زائرة ألمانية إلى مدرستنا ضمن برنامج للتبادل الثقافي.
كانت تتحدث بانبهار عن المكان الذي نعيش فيه، وكيف يمكننا أن نسير على ضفاف النيل، ثم نصل في دقائق إلى أهرامات الجيزة وأبو الهول، اللذين طالما حلمت برؤيتهما.
استمعت إليها، وشعرت للمرة الأولى بأن تفاصيل طفولتي تحمل شيئًا أكبر مما كنت أتصور.
حينها شعرت بعظمة بلدي.
فأنا لم أنشأ فقط في مكان جميل، بل في جزء من بلد يحمل تاريخًا ممتدًا وحضورًا حضاريًا يعرفه العالم كله، بينما كنت أراه بعين الطفلة التي اعتادت وجوده من حولها.
ومع مرور السنوات، أدركت أن ما رأيته في طفولتي لم يكن سوى جانب واحد من صورة أكبر.
فمصر لا تختصر في النيل وحده، ولا في آثارها التي يعرفها العالم. إنها بلد تتنوع فيه الطبيعة من الجنوب إلى الشمال، ومن المدن إلى الواحات والريف وسيناء، وتمتد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط، بما يمنح زائرها تجارب مختلفة في كل فصل ومكان.
في أسوان، يجد الزائر هدوء الجنوب وخصوصية المكان، وفي الفيوم يلتقي الماء بالطبيعة والريف في مشهد مختلف، بينما تمنح سيناء تجربة أخرى بين الجبال والرمال والشواطئ. وفي مدن الساحل والبحر الأحمر تتشكل حكايات مرتبطة بالشمس والمياه والحياة البحرية.
ثم تأتي القاهرة، بمزيجها الفريد بين التاريخ والحياة الحديثة، لتظل مدينة يستطيع فيها الزائر أن ينتقل من أثر عمره آلاف السنين إلى شارع نابض بالحياة في دقائق.
وهنا تكمن خصوصية السياحة في مصر؛ فالزائر لا يأتي ليرى مكانًا واحدًا، وإنما يلتقي ببلد كامل، بتاريخه وطبيعته وثقافته وحياته اليومية.
لكن قيمة السياحة لا تتوقف عند جمال المكان. فهي أيضًا فرصة للتعارف بين الشعوب، ومساحة تلتقي فيها ثقافات مختلفة، ويتعرف فيها الزائر إلى تاريخ البلد وعاداته وناسه وطريقة الحياة فيه.
والسائح الذي يأتي إلى مصر لا يغادر بصورة واحدة عن مكان زاره، وإنما يحمل معه تجربة كاملة؛ تبدأ من المكان وتمتد إلى الناس، وطريقة التعامل، والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يجدها في أي دليل سياحي.
فالإنسان المصري نفسه جزء من التجربة السياحية؛ بابتسامته، وكرمه، وطريقته في استقبال الضيف، وبالتفاصيل اليومية التي تمنح المكان روحًا لا يمكن أن تُختصر في صورة أو منشور.
وفي المقابل، نحن بحاجة إلى أن نقرّب أبناءنا من وطنهم، وأن نعرّفهم بتاريخ بلدهم وجغرافيتها، وأن نمنحهم فرصة لاكتشاف مصر خارج حدود المكان الذي يعيشون فيه.
فالانتماء لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالمعرفة والتجربة والشعور الحقيقي بقيمة ما نملك.
كما أن الحفاظ على السياحة مسؤولية مشتركة؛ من حماية الآثار والبيئة، إلى نظافة الأماكن، وحسن التعامل مع الزائر، وتطوير الخدمات التي تجعل تجربته أكثر راحة. فصورة مصر لا يصنعها المكان وحده، وإنما يصنعها أيضًا كل من يعيش فيها ويتعامل مع ضيوفها.
وفي اليوم العالمي للسياحة، أتذكر تلك الزائرة الألمانية التي تحدثت عن مصر بحماس، دون أن تعرف أنها منحت طفلة مصرية درسًا ظل معها سنوات طويلة.
فقد جعلتني أدرك أن بعض الأشياء التي نراها كل يوم قد تكون بالنسبة لغيرنا حلمًا يستحق السفر من أجله.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أكثر وعيًا بقيمة المكان الذي أنتمي إليه، وبأن معرفة الوطن تبدأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة نعيشها دون أن نتوقف أمامها.
مصر ليست فقط بلدًا نستقبل فيه السائحين، بل وطن نحمله معنا في تفاصيل حياتنا، ونحافظ عليه حين نعرف قيمته، ونعرّف الآخرين به حين نحكي قصته كما تستحق أن تُروى.
كم أنتِ عظيمة يا مصر، وكم من عظمة نعيش بجوارها كل يوم دون أن ننتبه إليها.





















