كل يوم تقريبا نسمع عن ضبط فراخ محقونة بالمياة أو بمواد مجهولة، أو لحوم فاسدة أو مخازن تبيع أغذية لا تصلح حتى لإطعام الحيوانات، والأجهزة الرقابية تقوم بدورها بكل شجاعة.
تضبط وتصادر وتحرر المحاضر، لكن السؤال الذي لم يجرؤ أحد على الإجابة عنه حتى الآن هو:
لماذا تتكرر الجريمة؟
ولماذا لا يخاف مرتكبوها؟
الإجابة مؤلمة، لأن العقوبة لا تزال أقل من حجم الجريمة، فإذا كان الربح بالملايين والغرامة بالآلاف، فلا شك أن الفاسد سيظل يغامر بصحة الناس.
الغريب أننا نتعامل مع هذه الوقائع على أنها مخالفات تموينية، بينما حقيقتها أنها جرائم تهدد الحق الأول الذي كفله الدستور لكل مواطن، وهو الحق في الحياة وفي الصحة
ماذا نسمي إنسانا يعلم أن هذه اللحوم فاسدة، أو أن تلك الفراخ غير صالحة للاستهلاك الآدمي، ثم يطرحها في الأسواق دون وازع من ضمير؟
إنه لا يغش مستهلكًا فحسب، بل يعرض حياة الناس للخطر عمدا، ويهدم ما تنفقه الدولة من مليارات على المنظومة الصحية، ويضرب في الصميم ثقة المواطن فيما يصل إلى مائدته، إنها جريمة لا ينبغي أن تُقاس بقيمة السلعة المضبوطة، وإنما بحجم الخطر الذي كانت ستلحقه بالمجتمع لو وصلت إلى بطون الأبرياء.
الكرة اليوم أصبحت في ملعب السلطة التشريعية، وأتصور أن مجلس النواب مطالب اليوم بأن يقف أمام هذه الظاهرة وقفة المشرع الذي يستشعر الخطر قبل وقوعه، لا بعد أن يحصد الضحايا، فالجريمة هنا ليست مجرد تداول سلعة فاسدة، وإنما سلوك إجرامي ينطوي على تعريض حياة المواطنين وصحتهم لخطر محقق، وهو ما يقتضي إعادة النظر في الوصف القانوني والعقوبة المقررة لها بما يتناسب مع جسامة الفعل والنتائج المترتبة عليه.
إن فلسفة العقاب تقوم على الردع قبل العقوبة، فإذا ثبت أن العقوبات الحالية لم تعد تحقق الردع العام أو الخاص، أصبح تدخل المشرع واجبا لا خيارا ، ومن ثم فإن المطلوب تشريع يغلظ العقوبات على كل من يثبت تعمده الاتجار في أغذية غير صالحة للاستهلاك الآدمي مع إغلاق المنشأة ومصادرة المضبوطات، والحرمان من مزاولة النشاط باعتبار أن الحق المعتدى عليه ليس مجرد حق المستهلك في سلعة سليمة، وإنما حق المجتمع بأسره في الحياة والصحة، وهما حقان يكفلهما الدستور قبل أن يحميهما القانون ….


















