لا أحد يختلف على أن الإعلام أحد أهم أدوات بناء الوعي في أي مجتمع، فالكلمة التي تُقال على الهواء لا تنتهي بانتهاء البرنامج، بل تمتد آثارها إلى عقول الناس ووجدانهم، وتشارك في تشكيل رؤيتهم للأحداث والقضايا المختلفة
ومن هنا تأتي أهمية السؤال: هل ما زالت معايير الظهور الإعلامي تواكب حجم المسؤولية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام؟ القضية لا تتعلق بحرية الرأي، فحرية الرأي قيمة أصيلة لا يمكن المساس بها، كما أنها لا تتعلق بحق المواطنين في التعبير عن أفكارهم ومواقفهم، لكن هناك فارقا واضحا بين حرية التعبير وبين إدارة المجال الإعلامي وفق معايير تضمن جودة المحتوى وتحافظ على حق المشاهد في الحصول على معلومات وآراء تستند إلى المعرفة والخبرة والموضوعية.
خلال السنوات الأخيرة اتسعت مساحات البث وتنوعت المنصات الإعلامية بصورة غير مسبوقة، وهو أمر إيجابي في جوهره، لكنه يفرض في المقابل مسؤولية أكبر فيما يتعلق بمعايير اختيار المتحدثين والضيوف وطبيعة الرسائل التي تصل إلى الجمهور، وللأسف أصبح من المعتاد أن نشاهد أشخاصا يتصدرون المشهد الإعلامي ويتناولون قضايا شديدة التعقيد والحساسية دون امتلاك التأهيل العلمي أو المعرفي الكافي في المجالات التي يتحدثون عنها، بل إن بعضهم لا يحمل سوى مؤهلات متوسطة، وبعضهم لم يستكمل مراحل التعليم الأساسية، ومع ذلك يتم تقديمهم للرأي العام باعتبارهم إعلاميين أصحاب رأي وخبرة في ملفات تتطلب سنوات من الدراسة والمعرفة والتخصص.
ولا يتعلق الأمر هنا بالقيمة الإنسانية للأشخاص أو بحقهم في الحياة العامة، فلكل مواطن كامل الاحترام والتقدير، وإنما يتعلق بحق المجتمع في أن يتلقى المعلومة من مصادر مؤهلة، وأن يستمع إلى أصحاب الخبرة عندما تكون القضايا المطروحة متصلة بمصالح المواطنين ومستقبلهم.
فالمشاهد البسيط لا يملك دائما الأدوات التي تمكنه من التفرقة بين المعلومة والرأي، أو بين المتخصص وغير المتخصص، ولذلك تصبح مسؤولية القائمين على المنصات الإعلامية مضاعفة، لأنهم لا يقدمون محتوى ترفيهيا فحسب، بل يشاركون بصورة مباشرة في تشكيل الوعي العام.
إن الحديث هنا ليس عن أشخاص بعينهم ولا عن واقعة محددة، وإنما عن ظاهرة تستحق النقاش الجاد ، فكلما ازدادت أهمية الإعلام، ازدادت الحاجة إلى معايير أكثر وضوحا وانضباطا، تضمن تحقيق التوازن بين حرية التعبير من جهة، وحماية المجال العام من الفوضى المعرفية من جهة أخرى.
ومن هنا فإنني أطالب السادة أعضاء مجلس النواب بفتح هذا الملف المسكوت عنه، والذي يمس بصورة مباشرة جودة الخطاب العام ومستوى الوعي المجتمعي، كما أدعو إلى استخدام الأدوات الرقابية التي كفلها الدستور والقانون، بدءًا من طلبات الإحاطة الموجهة إلى الجهات المختصة، ومرورًا بمناقشة هذا الملف داخل اللجان النوعية المختصة، وصولًا إلى استجواب المسؤولين المعنيين إذا كشفت المناقشات عن وجود قصور أو غياب للضوابط المنظمة لهذا الملف.
القضية لم تعد مجرد شأن إعلامي، بل أصبحت قضية وعي عام ومسؤولية وطنية تستحق التوقف أمامها ، ومن حق المجتمع أن يعرف ما هي المعايير الحاكمة للظهور الإعلامي، ومن المسؤول عن تطبيقها، ومن يراقب الالتزام بها، مصر التي أنجبت كبار العلماء والمفكرين والإعلاميين تستحق إعلاما يليق بتاريخها ومكانتها، إعلاما يحترم عقل المواطن، إعلاما يضع أهل المعرفة والخبرة في صدارة المشهد الاعلامي الذي يليق بالجمهورية الجديدة فليس كل ما يلمع ذهبا وليس كل من اشترى هواءً صار إعلاميا.






















