منذ أن قامت الحركة الوطنية في مصر على أكتاف الرجال الذين باعوا الراحة وابتغوا العزة ظل اسم الوفد علامة فارقة في الضمير العام للأمة، حزب لم يُولد في غرف مغلقة ولم يخرج إلى الدنيا بقرار فوقي، بل خرج من بين هتاف الشعب وصيحات الميادين وصبر المناضلين، واليوم وبعدما تهاوت تجارب أحزاب وُلدت على عجل وتكسرت عند أول اختبار أمام مسؤولية المشهد السياسي، صار لزاما علينا أن نفتح الدفاتر القديمة ونسأل أين الوفد؟ ولماذا يُقصى الحزب الذي صنع تاريخ السياسة المصرية؟
لقد أثبتت الأيام أن الأحزاب المصطنعة التي بُنيت على الهشاشة لم تقدر على حمل الأمانة ولا الحفاظ على صورة مصر السياسية، أما الوفد فكل حجر في هذا الوطن يعرف تاريخه وكل شارع حفظ أسماء قياداته، وكل أزمة شهدت مواقفه فهل يُعقل أن يُترك هذا الحزب العريق خارج الدائرة بينما تتصدر الساحة قوى بلا جذور ولا امتداد ولا ذاكرة وطنية؟
إن اللحظة السياسية الراهنة في مصر تحتاج إلى صوت أصيل، إلى قوة لها جذور تتغلغل في أعماق الشعب، لا إلى شعارات تُقال نهارا وتتبخر ليلا، وفي ظل حالة الفراغ الحزبي الواضحة وتراجع دور الأحزاب الوليدة التي لم تستطع أن تصنع رأيا عاما أو أن تقدم نموذجا سياسيا جادا، يعود السؤال الذي يخشاه البعض ويرفضه البعض الآخر إلى متى سيظل حزب الوفد بعيدا عن المشهد؟
الوفد ليس حزبا عاديا وليس تيارا يرفع شعارا ثم يختفي الوفد مدرسة وطنية عمرها من عمر الدولة الحديثة، قدم شهداء وصنع ثورات وخاض مفاوضات ووقف في وجه الاحتلال والديكتاتورية والفساد، الوفد الذي حمل راية الدستور والحرية والاستقلال لا يمكن أن يكون اليوم مجرد ديكور سياسي أو مؤسسة تُدار بالريموت أو من وراء ستار.
إن المصريين وفي مقدمتهم أبناء الوفد يدركون تماما أن هذا الحزب لم يفقد بريقه، بل مُنع من ممارسه مهام عمله ، لم يفقد جماهيريته بل وُضعت أمامه العوائق كي لا يلتقي بأبناء هذا الوطن، لم يتراجع بل تراجع عنه البعض خوفا من دوره وطمعا في مساحات كان يحتلها بجدارة، واليوم نقولها بلا مواربة أرفعوا أيديكم عن الوفد أتركوه يخوض معركة الوعي، معركة حضور يستحقه، إن القوى السياسية التي فشلت في إدارة المشهد لا يمكن أن تستمر ولا يمكن للمواطن المصري أن يبقى متفرجا على حالة العقم السياسي التي أصابت الساحة، لا بد من استدعاء الأصل، الأصل الذي لا يسقط بالتقادم ولا يتآكل بتغير الظروف
لقد آن الأوان أن تعود مصر إلى خارطة السياسة الحقيقية وأن تستعيد مكانتها الحزبية التي كانت تضرب بها الأمثال في العالم العربي وهذا لن يحدث إلا بعودة الوفد، الحزب الذي وُلد من رحم المعارك الوطنية وظل شامخا رغم كل محاولات الإقصاء ، قولوا ما شئتم واختلفوا كما شئتم لكن الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يحجبها أن هذا الحزب حين ينهض، ينهض معه الوعي وحين يتكلم يصمت الجميع، وحين يتحرك تتحرك مصر كلها خلفه ، افتحوا المجال للوفد لأنه حين يعود ستعود السياسة الغائبة عن مصر.





















